
بجانب البيت، وساعدتني فتاتان من الحي، وصرت أتعامل مع محلات كتير في المنطقة. كنت أستيقظ كل صباح وأحس بالفخر.. أنا بنت تعمل وتكسب قوتها بيدها، وتربي طفلها وحدها، وماشية في طريقها بكرامة.
في ليلة من ليالي الشتاء، بدأت آلام الولادة.. لم أكن خائڤة كما كنت أتخيل.. كنت واثقة وقوية، محاطة بأهلي وحبهم.. وولدت طفلي، صبيًا جميلًا، يملأ المكان ببكائه الحلو.. سمّيته نور.. اسم يحمل معنى البداية والضياء.
كانت الأيام مع نور مليان بالفرح والتعب في آن واحد.. كنت أستيقظ مبكرًا للعمل، وأعود مسرعة لأراه، وكل ما أشوفه ينسيني كل تعب.. كبر بسرعة، بدأ يضحك، ثم يحبو، ثم يتكلم كلماته الأولى.. وفي كل مرحلة كنت أكون أول الناس اللي يشوفها.
سمعت عن سامح من حين لآخر.. تزوجت شيرين من رجل آخر وسافرت، وبقيت هي وحيدة.. هو عمل في شركة صغيرة بعيدًا عن منطقتنا، وعاش في شقة صغيرة بمفرده.. يقولون إنه تغير كتير، أصبح هادئًا جدًا، قليل الكلام، ومشغول دائمًا بعمله.. لم يبحث عني من فترة طويلة، وكنت شايفة ده شيء جيد للطرفين.
مرت
السنين.. نور كمل الخامسة، وبدأ يروح الحضانة.. كان ذكيًا ومحبوبًا، وكل اللي يشوفه ينجذب إليه. في يوم من الأيام، سألني ببراءة
ماما.. ليه كل الأطفال عندهم بابا وأنا معنديش؟
تجمدت للحظة.. كنت أعرف إن السؤال ده هيجي في يوم، بس ما توقعتوش يجي بهالسرعة.. قعدت قدامه وقلت له بكل صدق وبساطة
يا حبيبي.. كل واحد فينا ليه طريق مختلف.. أبوك كان في طريق تاني، ومش قادر يمشي معانا في الطريق ده.. بس ده معناه إننا وحشين.. إحنا مع بعض، وأنا بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا.
بصلي بتفكير ثم قال
يعني هو مش عايز يشوفني؟
مش إنه مش عايز.. هو بس مش عارف إزاي.. وربما خاېف.
سكت نور شوية ثم قال
لو جاب يوم.. هخليه يخش يلعب معايا؟
دمعتي نزلت من عيني.. مسحتها بسرعة وقلت
لو جاب يوم بصدق.. هنعرف مع بعض نعمل إيه.
كلام نور ده فتح بابًا في بالي كنت قفلته من زمان.. بدأت أفكر هل من حقه يعرف أبوه؟ وهل سامح يستحق الفرصة دي؟ وإن كان نعم، هل هو مستعد؟
قررت أتأكد بنفسي.. سألت عن مكان عمله، وذهبت له في صباح يوم من الأيام.. لم أتصل
به مسبقًا، أردت المفاجأة لأرى حقيقته دون تمثيل.
وجدته في مكتب متواضع، بسيط، نظيف.. كان قاعدًا يكتب على الورق بتركيز، لحد ما شعر بوجودي ورفع رأسه.. عينيه اتسعت، وقلمه سقط من إيده ببطء.. لم يتغير ملامحه كتير، بس السنين تركت أثرًا واضحًا عليه، وشعره بدأ يختلط بياض.
قام ببطء كأنه مش مصدق
نورهان؟!
أنا جيت أسألك سؤال واحد بس. قلت بثبات عايز تشوف ابنك؟
الجزء السادس
السكوت ملأ المكان للحظات طويلة.. سامح ما قدر يتكلم، بس عينيه ملانت دموع بسرعة ما قدر يمنعها.. مسحها بظهر إيده بحركة خجولة، وقال بصوت متهدج
بجد؟ تسمحي لي؟
القرار مش بإيدي لوحدي.. ده حق له قبل ما يكون حق لك. قلت هو كبر وبدأ يسأل.. وأنا جيت أقولك الباب مش مغلق.. بس بشرط.
أي شرط.. أي حاجة.. أنا مستعد.
الصدق أولاً.. تيجي وتقابله وتقول له الحقيقة كاملة من غير تجميل ولا كڈب.. تيجي كإنسان عادي أخطأ وبيحاول يصلح، مش كأب مثالي.. وثانيًا كل شيء ببطء، على قد عقله.. هو محتاج يثق فيك خطوة بخطوة.
وافق فورًا.. تحديدنا اليوم والتالي في الحديقة
العامة اللي بنروح لها دائمًا..




