منوعات

قصة جوزي عزم طليقتة

خرجت من مكتبه وأنا مش عارفة أفرح ولا أقلق.. قلبي كان بيدق بسرعة، دعوت من كل قلبي إن ما يخيب أملنا تاني.
اليوم التالي، وصلت أنا ونور قبل الميعاد بدقائق.. كنت ممسكة إيده بقوة، وأنا أشرح له إننا هنقابل شخصًا مهمًا.. لما شاف سامح قادم، نور سكت ووقف مكانه.
سامح اقترب ببطء، يديه مرتعشتان، وعيناه مثبتة على الطفل.. وقف قدامه، ثم انحنى لحد ما يكون على مستواه، وقال بصوت ناعم
أنتَ نور.. صح؟
نور رفع رأسه ونظر لي ثم رد بصوت خاڤت
أنا نور.. وأنت؟
أنا.. أنا أبوك يا نور. سكت ثم كمل بصدق نادر وأنا آسف.. آسف إني جيت متأخر كتير.
نور بصله بتركيز ثم قال
ليه تأخرت؟
سامح ابتسم پألم ومسح على شعره بخفة
عشان كنت غلط.. كنت ساير في الطريق الغلط، وما عرفتش أطلع منه غير متأخر.. بس أنا دلوقتي هنا.. وعايز أتعرف عليك.
لم يكن اللقاء مثاليًا، ولم يكن هناك احتضان سريع أو دموع انفعالية.. نور ظل حذرًا، وسامح كان مترددًا.. بس في نهاية
اللقاء، لما كنا هنمشي، نور مد إيده الصغيرة وقال
هتجي تاني؟
سامح مسك إيده بحرص وقال
إن سمحت لي أمك.. هجي كل أسبوع.
وهكذا بدأت رحلة جديدة.. كل أسبوع كان يأتي، نجلس مع بعض، يأخذه في جولات، أحيانًا أكون معاهم وأحيانًا يروحوا لوحدهم.. سامح لم يحاول التدخل في حياتي، ولم يطلب مني العودة أبدًا.. احترم المسافة بيننا، وركز كل جهده على أن يكون أبًا صادقًا لابنه.
مع الوقت، بدأت ألاحظ تغيرات حقيقية فيه.. توقف عن الكلام المزدوج، أصبح واضحًا ومباشرًا، واعترف لي في أحد الأيام
كل ما كنت أريده من قبل كان السهولة.. كنت أختار الطريق اللي ما فيه تعب، وده خسرني كل حاجة.. دلوقتي عرفت إن الأبوة محتاجة مجهود وصدق وتضحية.. وإن الكرامة ما تيجي إلا من العدالة مع النفس ومع الناس.
مرت السنين بسلاسة.. نور كبر وصار شابًا واثقًا، يجمع بين حنان أمه وأمانة أبيه.. سامح بقي مخلصًا لابنه، وتفانى في رعايته، وإن لم نعد نعيش معًا كزوجين،
فقد أصبح لنا احترام متبادل وصداقة عميقة مبنية على المسؤولية المشتركة.
في يوم تخرج نور من الجامعة، وقف بيننا أنا وسامح، ممسكًا بأيدينا الاثنتين، وقال بابتسامة
أنا أغنى إنسان في الدنيا.. عندي أم علمتني الكرامة، وأب علمني إن التوبة ممكنة.
نظرت لسامح، ووجدته ينظر لي بدموع فخار.. لم نعد نحب بعضنا بالطريقة القديمة، لكننا كنا شركاء في أجمل وأهم إنجازاتنا هذا الإنسان القائم بيننا.
وأنا أنظر لوليدي وأنا أتسلم شهادته، عرفت أن كل ما مررت به لم يكن عبثًا.. الألم صنعني أقوى، والخېانة علمتني أقدر نفسي، والصبر أثمر ثمرة طيبة.. لم أنتقم بالكراهية، بل انتصرت بالاستمرار، بالبناء، وبأن كنت أمًا تستحق أن يُفتخر بها.
الحياة لا تعيد لك ما سلبت بنفس الصورة.. لكنها تمنحك ما هو أجمل إذا كنت صادقًا مع نفسك.. وهكذا مضت الأيام، لا بندم على الماضي ولا خوف من المستقبل، بل بشكر لكل ما مرّ، وثقة في أن النور سيجد طريقه دائمًا مهما
طال الظلام.
تمت بحمد الله

6 من 6التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى