
أمي مشيت مع أخواتي الاتنين في زفتهم وسلمتهم لعرسانهم.. مرتين! بس في يوم فرحي أنا، بصت لي بقرف وقالت قدام الكل أنا أرفض أمشي مع أكبر غلطة وندم في حياتي!.. عشان كده جدي اللي عنده 81 سنة هو اللي مسك إيدي عشان يزفني.. وفي نص الممر، جدي وقف فجأة وبص ل أمي وقال لها 8 كلمات بس! القاعة كلها شهقت من الصدمة، وابتسامة أبويا اختفت فوراً، وأمي صرخت وهي تذوب من الرهبة!
أمي كانت بتمشي بكل فخر وتيها بين المعازيم وهي ماسكة إيد أختيها الاتنين في زفتهم، كأنها بتسلم معجزات ملفوفة في دانتيل.. بس في صباح يوم فرحي أنا، بصت لي وأنا لابسة الفستان الأبيض وقالت بكل جفاء:
* أنا أرفض أمشي مع أكبر غلطة وندم في حياتي وأوصلها للعريس!
أوضة العروسة سادها سكون ورعب تام..
صوابعي كانت بترتعش خفيف وأنا ماسكة الطرحة.. وورا أمي، كان أختيا بشيرة ونوران واقفين وبيتبادلوا نظرات الشماتة والسخرية.. طول عمرهم بيستمتعوا وأنا بيتكسر نفسي قدامهم.. بشيرة كانت بتلعب في الأسورة الألماظ اللي أمي دايماً بتفكر الكل إنها هي اللي اشترتها لها، ونوران لوت بؤها ووشوشتني:
* ماتعيطيش يا إيمان.. بدل ما تبوظي المسكرة الرخيصة دي!
بصيت لنفسي في المراية.. 29 سنة.. ملامحي هادية، وشفايفي ثابتة.. بس بالنسبة لهم، أنا لسة البنت المطرودة غير المرغوب فيها، اللي اترمت في أوضة السطوح، في الوقت اللي أخواتي كانوا بياخدوا فيه أكبر الأوض وسفريات لباريس في أعياد ميلادهم!
أبويا كان واقف جنب الباب بالبدلة الرمادي، وابتسامة الخبث على وشه كأن الموضوع بيمتعه:
* أمك ليها حق في مشاعرها يا إيمان.. أنتِ طول عمرك بنت متعبة وبتاعت مشاكل!
متعبة دي بالنسبة له يعني كنت بسأل فلوس تعليمي راحت فين؟
متعبة يعني كنت بستغرب ليه جوابات جدي فجأة بطلت توصلني؟
متعبة يعني اخترت أشتغل خبيرة مراجعة حسابات وتحقيقات مالية بدل ما أتجوز واحد غني وأقعد في البيت ساكتة وممنونة!
خطيبي حسام قرب بانفعال والغضب باين في وشه، بس أنا مسكت كُم بدلم بالراحة وشوشته:
* بلاش.. مش وقتها خالص!
أمي ضحكت ب استهزاء:
* طول عمرك بتحبي تعملي دراما وشو.. حتى في يوم فرحك!
وفجأة.. الباب اتفتح!
دخل جدي بخطوة متزنة وهو متسند على العكاز الأبنوس الأسود بتاعه.. شعره الأبيض متسرح بنظام، وبدلته الكحلي كانت أقدم من جوازات أختيا الاتنين، بس أنضف بكتير من ضمير أمي وأبويا! حتى وهو في سن الواحد وثمانين، جدي الحاج حلمي كان عنده عينين حادتين كفيلة تسكت قاعة كاملة!
بص لأمي مباشرة وقال بحسم:
* ماجدة.. أنتِ قلتي إيه؟!
وش أمي اتخشب:
* دي أمور عائلية خاصة بينا يا بابا!
* أنا العيلة! رد بصوت هز الأوضة..
أبويا قرب منه وبيحاول يهديه:
* يا حاج حلمي بلاش تعمل مشكلة وتفضحنا قدام الناس..
جدي ما إدالوش أي اهتمام.. وبدل كده، بصلّي ومد إيده المجعدة المسكينة لإيدي:
* أنا اللي همشي معاكي وأزفك يا بنتي..
زوري اتقفل بالدموع:
* يا جدو…
* أنتِ عمرك ما كنتِ ندم ولا غلطة يا إيمان.. ضغط على إيدي بحنية وكمل: أنتِ الوحيدة اللي رجعتِ تدوري على الحقيقة!
ابتسامة أمي اختفت في ثانية..
مجرد لحظة بسيطة.. بس أنا لاحظتها!
وجدي كمان لاحظها!
برة في الصالة، المهرجانات والمزيكا بدأت تشتعل.. القاعة كانت مليانة على آخرها بالقرايب، وشركاء شغل أبويا، والجيران، والمتبرعين بتوع الجمعية الخيرية بتاعة أمي وأبويا.. كل دول ناس فاكرين إن عيلة الشبراوي المثالية معندهاش أي حاجة تخبيها!
أمي رفعت راسها بغرور فاكرة إنها كسبت الجولة كالعادة..
اللي ما كانتش تعرفه، إني قضيت آخر 18 شهر بتبع خط كل جنيه سرقوه ونصبوا فيه!
يا ترى إيه ال 8 كلمات المرعبة اللي قالهم جدي لأمي في نص الممر وخلت القاعة كلها تتصدم بالمنظر ده؟ وإيه السر اللي اكتشفته إيمان بشغلها في المراجعة المالية وهيدمر عيلتها ويوديهم في ستين داهية؟ وإزاي الفرح ده هيتحول لأكبر محاكمة علنية قدام كل المعازيم؟ الأحداث الجاية فيها كمية كشف مستور، وصدمات، وانتقام يبرد القلب!
—
### الجزء الثاني
مسكت إيد جدي الدافئة المليانة بالتجاعيد والقوة الكامنة، ومشيت جنبه في الممر الطويل.. الموسيقى كانت عالية، والأنوار بتلعب على الفستان الأبيض بتاعي، بس كل ده كان بعيد زي الحلم.. كنت حاسة بكل خطوة جدي بيدقها على السجادة الحمراء، وكأن كل خطوة بتدق جرس إنذار في قاعة الأكاذيب دي كلها..
وصلنا لنص الممر بالظبط.. جدي وقف فجأة، وسحب يدي برفق عشان أقف جنبه.. الميكروفون كان قريب منه، والصوت وصل لكل ركن في القاعة الكبيرة.. بص لأمي اللي واقفة على المنصة بابتسامتها المصطنعة اللي خدعت بيها ناس كتير سنين طويلة.. وقال بصوت واضح، رصين، يهتز بكل عزة وشرف:
* أنتِ مش أمها.. أنتِ خائنة الأمانة!
الكلمات دي.. ثماني كلمات بس.. رنت في القاعة زي الصاعقة اللي نزلت على رؤوس الجميع! الموسيقى انقطعت فجأة، الضحكات ماتت في حلوق الناس، ومئات الأعين اتجهت لأمي في نفس اللحظة..
وش أمي اصفرّ لونها وتحول لون ميت:
* إيه اللي بتقوله يا حاج حلمي؟! اتكلم عدل.. الناس بتسمعك!
جدي ما سكتش.. رفع راسه أكتر وقال بصوت عالٍ يسمعوه كلهم:
* أنا أتكلم عدل من زمان.. بس كنتو اللي بتصمّوا آذانكم! ماجدة.. إيمان مش بنتكِ.. وكل اللي جمعتيه من فلوس وتبرعات مش بتاعكِ.. ده مال اليتامى والأرامل اللي كنتِ تسرقوه باسم الخير!
صوت الهمس ارتفع في القاعة.. ناس قامت من مكانها، وناس مسكت في بعضها.. أبويا جري ناحية جدي وصرخ:
* بابا! إتق الله! بتقول إيه قدام الناس دي؟!
جدي بصله باحتقار ما شفتوش في عينيه قبل كده:
* إتق الله أنتَ اللي نسيت طريقه يا كمال! كنت عارف وساكت.. شريكها في الغدر والسرقة.. ورضيت إنك تربي بنت غيرك وتحرمها من حقها عشان تاخد مكانها!
أنا واقفة متجمدة جنبه.. كلامه طلعني من الصدمة لصدمة أكبر.. مش بنتها؟ يعني إيه الكلام ده؟!
مسكت إيده بترعش:
* جدو.. إيه يعني مش بنتها؟
لف لي بكل حنان وقال:
* أنا كنت مخبي السر ده عشانك يا حبيبتي.. عشان تكبري في أمان.. بس هي اللي اختارت تكشفه بنفسها بلسانها.. إيمان.. أنتِ بنتي.. بنت سمية ابنتي الكبرى التي ماتت في الحادثة المريبة من 29 سنة.. وماجدة دي أخت زوجها اللي ربّتك بدل ما تردك لي!
دموعي نزلت بلا سيطرة.. كل حاجة اتوضحت قدامي في لمح البصر.. سبب الكره الغريب من ناحيتها.. سبب إرسالي لأوضة السطوح.. سبب حرماني من كل حاجة.. كنت مجرد شاهد عيان على جريمة استمرت عقود!
—
### الجزء الثالث
أمي ماجدة بدأت تترنح وكأنها شافت شبح:
* سمية.. ماتت وهي ماتت.. وما ليش دعوة بكل ده..
* ما لكيش دعوة؟! كمل جدي بكل قوة: أنتِ اللي أخذتي مكانها في البيت والمال والسمعة.. أنتِ اللي خدعتِ الجميع وقولتي إنك أنتِ البنت الكبرى.. وإن سمية سافرت ورجعت وماتت.. والحقيقة إنك دفنتي الحقيقة معاها!
في اللحظة دي، أنا كنت مستعدة.. سحبت الملف السميك اللي كان مخبي جوه الطرحة بتاعتي.. الملف اللي قضيت 18 شهر أجمعه وراجعه خطوة بخطوة.. كل مستند، كل تحويل بنكي، كل تقرير طبي، كل شهادة.. رفعته عشان الكل يشوفه وقلت بصوت وصل لكل قلب:




