
طلبت من زميلي في الشغل ييجي معايا فرح طليقي ويتمثل إنه خطيبي.. بس أول ما سيف شافنا واقفين جنب بعض، ضحك بعلو صوته قدام المعازيم كلها وبص لي باستخفاف: “مين ده اللي يرضى يبص لك أصلاً؟!”. بس اللي ما كانش يعرفه، إن خطيبي المزيف ده كان جايب معاه هدية جواز، كفيلة تمسح ضحكته وتخليه يندم على كل كلمة قالها!
كل حاجة بدأت بدعوة الفرح اللي سيف بعتهالي..
“تعالي فرحي أنا وشيرين وهاتي البنات معاكي.. ليكي مرافق 1، بس إحنا الاتنين عارفين إنك معندكيش حد تجيبيه معاكي أساساً!”
هي دي طريقة سيف دايماً..
حتى بعد ما اتطلقنا، كان لسة عارف إزاي يكسر نفسي ويخليني أحس إني ولا حاجة!
كنا متجوزين بقالنا دخل في 13 سنة وعندنا بنتين، واحدة 10 سنين والثانية 3 سنين..
وفي يوم بكل بساطة، سيف جه قال لي إنه ما بقاش مشدود لي ولا حاسس بأي مشاعر ناحيتي..
وما عدّاش وقت طويل لحد ما اكتشفت إنه على علاقة بشيرين، الكوتش بتاعته في الجيم!
ولما واجهته، ما اعتذرش حتى..
بالعكس، هز كتافه ببرود وقال لي:
“أنتِ مستنية إيه يعني؟! الرجالة بتبص على الشياكة.. وشيرين جسمها رياضي وحاجة مثالية!”
وبعدين بص لي ببرود وقال:
“أنتِ ما بقيتيش زي زمان.. زمان كان جسمك متظبط.. أنتِ آخر مرة بصيتي لنفسك في المراية كانت امتى؟!”
حتى وهو بيلم هدومه وبيلم شنطه، كان بيصر إن جوازنا اتخرب بسببي أنا، وإني أهملت في نفسي وما بقيتيش أهتم بمظهري!
بعد ما مشي، عيطت بحرقة عمرها ما حصلت لي..
الطلاق كان بيوجع أوي..
ولشهور طويلة، بقيت أشك في كل حاجة في نفسي.. شكلي.. ثقتي بنفسي.. وقيمتي كست!
وبعد ما الطلاق بقى رسمي بفترة قصيرة، سيف أعلن إنه هيتجوز شيرين..
وجت الدعوة المستفزة دي!
أول رد فعل لي إني ما أروحش..
بس بناتي كانوا هيحضروا، وما كنتش عايزاهم يروحوا لوحدهم من غيري..
فقررت إني هروح واهتم بنفسي!
ولو سيف فاكر إنه هيعمل من الموضوع ده تريقة عليا، فأنا هستغل الفرصة دي على الأخر!
وساعتها فكرت في كريم..
كريم زميلي في الشغل، وكان أكتر حد قريب مني وأجدع صاحب وقفت جنبه ووقف جنبي أيام الطلاق..
كان عارف سيف عمل فيا إيه، وعارف كلامه أثر فيا إزاي..
ففي يوم في المكتب، بصيت له وقلت:
“كريم.. ممكن تيجي معايا فرح طليقي وتعمل نفسك خطيبي؟”
كريم بص لي ثانية.. وبعدين ابتسم بجدعنة:
“ععيب عليكِ.. يلا بينا!”
يوم الفرح، دخلنا إيدنا في إيد بعض..
الناس كلها بصت علينا فوراً!
كريم كان طول بعرض، وسيم، وشيك جداً، وواثق من نفسه.. من نوع الرجالة اللي أي حد يلاحظهم فوراً..
وسيف طبعاً لاحظه!
أول ما سيف وشيرين قربوا مننا، سيف بص لكريم من فوق لتحت باستعلاء.. وفجأة انفجر في الضحك!
ضحكة عالية خلت ناس كتير من المعازيم تلتفت تبص علينا!
“إيه اللي يضحك أوي كده؟!” سألت بثبات..
سيف شاور على كريم وقال:
“ده؟! ده خطيبك أنتِ?!”
وضضحك تاني باستهزاء:
“أنا مش مصدق الهبل ده ولا ثانية! محدش ممكن يفكر يرتبط بيكِ أصلاً!”
وبعدين بص لكريم وقال:
“وبالذات يعني واحد بالمنظر ده!”
نفسيتي نزلت في الأرض..
بس سيف ما سكتش، وكمل باستفزاز:
“أنتِ دفعتي له كام عشان ييجي معاكي ويمثل الدور ده؟!”
في اللحظة دي، كل كلمة جرحتني قالها سيف قبل كده رجعت لي زي السكينة.. كنت عايزة الأرض تشق وتبلعني!
بس كريم ما ارتبكش.. ما اتخانقش.. ولا عمل شو ولا خطبة درامية..
هو بس ابتسم بهدوء تام.. وبعدين بص لسيف وقال:
“والوالله، أنا في الحقيقة جايب لكم هدية جواز ممتازة..”
سيف بطل ضحك ورفع حاجبه:
“هدية؟!”
“أه..” كريم شاور ناحية البوابة.. “هطلع أجيبها من العربية وأرجع فوراً.”
خرج كريم ودخل بعد 5 دقايق وهو شايل كرتونة كبيرة بإيده..
في الوقت ده، كان سيف رجع يبتسم تاني بغرور، فاكر إن كريم جاي يكمل التريقة معايا!
كريم حط الكرتونة قدامه بالضبط وقال:
“دي عشانكم..”
سيف فتح الكرتونة.. وفي ثانية واحدة، الضحكة اختفت من وشه تماماً!
ووشه جاب ألوان واحمرّ من الصدمة والرعب!
أنا بصيت جوة الكرتونة.. ولأول مرة من بداية اليوم ده كله.. الابتسامة اترسمت على وشي أنا!
الجزء الثاني
فتح سيف الكرتونة بيده المترددة، وابتسامة السخرية لسه على شفتيه.. بس أول ما شاف اللي جواها، اتجمد مكانه تمامًا، وفمه اتفتح من غير ما يطلع صوت!
الكل اللي كان حوالينا سكت.. ناس كتير اتقربت عشان تشوف إيه اللي جواها.. وشيرين بصت بدهشة، وبعدين لون وشها اتغير لصفرة مرعبة..
جوة الكرتونة ما كانش لا ذهب ولا هدايا تقليدية.. كانت كومة من الأوراق الرسمية المختومة، وتقارير طبية، وصور، وملفات كاملة مرتبة بدقة.. وكرّاس سميك عليه اسم سيف الدين محمود مكتوب بخط واضح..
كريم سحب كرسي وقف بجانبي، بص لسيف بكل هدوء وقال:
“مش محتاج تقلق.. الهدية دي مش من عندي أنا.. دي من شخص كنت فاكره مات وانتهى أمره من زمان..”
سيف رجع خطوة لورا، صوته اهتز وهو بيقول:
“أنت.. إنت إزاي جبت ده؟! مين اللي بعتك؟!”
“مين اللي بعتني؟” كريم كمل بثبات: “الحقيقة هي اللي بعتني يا سيف.. الحقيقة اللي دفنتها بقالها 15 سنة، وكنت فاكر إن المال والعلاقات ممكن تدفنها معاه..”
أنا واقفة بينهم مش فاهمة حاجة.. بصيت لكريم وسألت بصوت منخفض:
“كريم.. إيه ده بالظبط؟ إيه العلاقة بينك وبينه؟”
كريم لف ناحيتي وابتسم برفق:
“أنا كنت عايز أقولك من زمان يا سلمى.. بس كنت مستني الوقت المناسب.. وأنا واثق إنك هتسامحيني لما تعرفي كل حاجة..”
لف تاني لسيف اللي كان بيتعرق من كل جسمه:
“تعرف كويس إني أخو علي.. صديقك المقرب اللي مات في حادثة سيارة قبل 15 سنة..”
صوت ناس كتير ارتفع من الدهشة:
“علي؟!”
“يعني كريم أخو علي؟!”
سيف كاد يقع من مكانه.. اتكأ على الطاولة وقال:
“علي مات.. الحادثة كانت غلط.. ما حدش يقدر يثبت غير كده..”
“حادثة؟!” كريم رفع صوته شوية وكل القاعة سمعاه: “علي ما مات في حادثة يا سيف.. هو قتل! وأنتَ اللي قتلته!”
الصوت ده رن في القاعة كلها زي الصاعقة.. الناس كلها سكتت تمامًا، وما سمعنا غير صوت التنفس الثقيل.. شيرين مسكت في ذراع سيف وقالت:
“سيف.. إيه الكلام الفاضي ده؟ قوله يكفي!”
بس سيف ما قدرش يتكلم.. عيناه كانت مثبتة على الكرتونة وكأنه شاف شبح..
كريم أخرج ورقة من الكرتونة ورفعها عشان الكل يشوف:
“دي آخر رسالة كتبها علي قبل ما يموت.. كتبها في نفس الليلة اللي قابلته فيها أنتَ وحدك في الطريق الصحراوي.. كتبها ليا أنا، وقال لو حصل له حاجة، أفتح الظرف بعد سنة.. ولما فتحته، لقيت كل التفاصيل.. إنه اكتشف إنك كنت بتحول فلوس الشركة لحسابك الخاص، وإنك كنت بتهرب من الضرائب، وإنك خفت يكشفك فقررت تتخلص منه!”
“كذب!” صرخ سيف: “هو كان متخلف عقليًا شوية.. كل اللي كتبه ده خيال!”
“متخلف؟!” كريم ضحك بمرارة: “اللي عملته فيه أفظع من كده.. لما شفت إنه هيفضحك، سوقت بسيارتك ناحيته عمدًا.. ودفعتَه من فوق الطريق.. وتركته ينزف وحيدًا في الظلام.. وعديت على جثته ورجعت تقول للكل إنه كان سكران ومات في حادثة!”
سيف بدأ يترنح.. شفت الخوف الحقيقي يدخل عينيه.. الابتسامة والغرور اختفوا تمامًا، وبقى مجرد راجل خايف من الماضي اللي فكره مات..




