روايات وقصص

عملت حادث مفاجئ

العيال كانوا واقفين ورايا.. سيف وابني الصغير علي كانوا ماسكين في الكرسي بتاعي، وجودي واقفة ظهرها مفردد، تبص لأبوها بنفس النظرة اللي بقيت أبصله بيها.. نظرة انعدام الاحترام.

مدحت لما لقى الأمور تقلت عليه، والورق رسميات ومفهوش يمين وشمال، حاول يلعب على النغمة العاطفية تاني.. قرب مني وقال بصوت واطي ومخنوع:

ـ “آمال.. إحنا بيننا عشرة وبنات وعيال.. هتهدي بيتك عشان قرشين؟ عشان لحظة غضب؟ أنا كنت بختبرك والله، أنا ماكنتش هسيبكم!”

ضحكت بصوت عالي.. ضحكة صافية نابعة من قلب أخيرًا اتخلص من وهم كبير:

ـ “تختبرني؟ في غيبوبتي وفي عجزي وفي قوت عيالك كنت بتختبرني؟! الع العب غيرها يا مدحت.. العشرة انت اللي دست عليها برجلك يوم ما وقفت على أكلنا وقلتلي عيشي بمعاشك. اتفضل اخرج برة بيتي.. باب الشقة ده مقفول في وشك للأبد.”

خرج مدحت زي الكلب المضروب، يجر أذيال الخيبة. اتسحبت منه كل كروت القوة اللي كان فاكر إنه بيمتلكها. العروسة الجديدة أول ما عرفت إن الشقة راحت، وإن نصف مرتبه رايح نفقة محكوم بيها للولاد، سابته وفرت بجلدها قبل ما يكتبوا الكتاب حتى!

أما أنا.. فاليوم ده كان بداية حياتي الحقيقية.

المعاش نزل، والنفقة اتفرضت بحكم محكمة واجبة التنفيذ واستقطعت من مرتبه مباشرة من جهة عمله. بدأت أعمل علاج طبيعي مكثف، وركبت طرف صناعي حديث بفضل القرشين اللي كنت شايلاهم على جنب مع مساعدة بسيطة من أخويا اللي رجع من السفر أول ما عرف باللي حصل.

رجعت أدي دروس في بيتي، والبيت بقى مليان حركة وضحك من غير العبء النفسي والبرود اللي كان مدحت فارضه علينا. عيالي كبروا وشافوا إن أمهم، رغم العجز الجسدي، كانت أقوى من أي محنة، وعلمتهم إن الكرامة مش بتمشي على رجلين، الكرامة بتمشي بالمبدأ والعقل.

ومدحت؟ بشوفه ساعات لما بيجي ياخد العيال في أوقات الرؤية.. كبر عشر سنين في سنة واحدة، عايش في شقة إيجار ضيقة، بيحسب القرش بالمليم، ووشه مليان ندم.. بس الندم لما بيجي متأخر، بيبقى ملوش أي قيمة.

أنا آمال.. خسرت رجلي اليمين، بس كسبت نفسي، وكسبت أولادي، وأثبت لنفسي وللدنيا كلها إن الست المصرية لما بتقرر تاخد حقها.. مافيش أي عجز في الدنيا يقدر يقف في وشها.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى