روايات وقصص

عملت حادث مفاجئ

بصيت لرجلي الملفوفة، ولأول مرة ما حسيتش بالضعف.. حسيت بقسوة وغضب خلوني أتسند على إيدين الكرسي وأقعد على السرير وأنا بخطط لكل خطوة جاية. مدحت فاكر إن اللعبة خلصت لمجرد إني قلتله “أنا موافقة”.. ما يعرفش إن الموافقة دي كانت أول خطوة في حبل الحساب اللي بلفه حوالين رقبة جشعه وبجاحته.

تاني يوم الصبح، نزل مدحت شغله وهو رايح جاي قدام الأوضة بيصفّر وبيتأنق، كأنه عريس بجد ومش فارق معاه إن البيت مكسور. أول ما الباب اتقفل وراه، ناديت على جودي بنتي الكبيرة. جودي دخلت وعينيها ورمة من العياط، طبطبت عليها وقلتلها بصوت ثابت مش متعودة عليه:

ـ “جودي.. امسحي دموعك دي. أمك رجالها اتعجزت اه، بس دماغها شغال، وحقنا مش هيضيع. طلعيلي أوراق الشقة وأوراق الجمعية اللي كنت داخلة فيها قبل الحادثة، وتلفوني القديم من الدرج.”

جودي بصتلي باستغراب، بس تنفذت فوراً. أنا قبل الحادثة كنت بشتغل مدرسة رياضيات في مدرسة خاصة، ولأني شاطرة، كنت بدي دروس خصوصية وبشيل قرشين على جنب من غير ما مدحت يعرف، لأن مدحت من نوعية الرجالة اللي لو شموا خبر إن معاكي جنيه، يرفعوا إيديهم عن البيت فوراً. غير كدة، الشقة اللي إحنا قاعدين فيها دي مش تمليك منه زي ما بيتبجح ويقول.. الشقة دي كانت ورثي من أبويا، وهو كتبها باسمي قبل ما يموت عشان يضمن مستقبلي، ومدحت أقنعني زمان نكتب بينّا عقد صوري إن الشقة مناصفة عشان “البرستيج” قدام أهله، والعقد ده أصلاً ما تسجلش ولا ليه أي لازمة قانونية!

مسكت التليفون وكلمت محامي زمايلي في المدرسة كانوا بيتعاملوا معاه، أستاذ هاني.. راجل شديد وفاهم القانون كويس. حكيتله كل حاجة بالتفصيل، من أول الحادثة، لحد تقسيمة مدحت العبقرية للمصاريف، وعقد الشقة الصوري.

أستاذ هاني ضحك بمرارة وقال لي:

ـ “يا مدام آمال، جوزك ده عايش في كوكب تاني! القانون ومش بس القانون.. الشرع والعرف معاه في داهية. الشقة ملكك خالص، والمعاش ده حقك الشخصي لتعويض إصابتك، ونفقته على أولاده وزوجته واجبة عليه بالسيف والقانون، وملهاش دعوة انتي معاكي كام.. اتركيل الموضوع ده تماماً، بس عايزك تنفذي اللي هقولك عليه بالحرف.”

خطتي كانت بسيطة: “استدراج الغبي لما يقع في الفخ”.

على مدار أسبوعين، كنت بتعامل مع مدحت بكل برود وذكاء. لما كان ييجي يتكلم عن العروسة الجديدة -اللي اكتشفت إنها واحدة مطلقّة وقرايبة من بعيد ومفهمها إن عنده شقة ملك ومقتدر- كنت ببتسم وأقوله: “ربنا يسعدك يا مدحت، أهم حاجة راحتك”. كان بيتنفخ غرور ويحس إنه سيطر على الوضع تماماً.

في الأسبوع الثالث، مدحت جه ووشه أصفر ومشدود.. اتاري المحروسة الجديدة طالبه شبكة ومؤخر وأجار شقة مفروشة في مكان محترم، والمرتب اللي كان فاكره هيعيّشه ملك مش مكفي أول شهريتين!

دخل عليا الأوضة وقال بلهجة فيها رجاء خفي متغطي بوقاحة:

ـ “آمال.. بصراحة كده العروسة طالبه مصاريف كتير في الأول، وأنا محتاج سلفة من المعاش بتاعك لما ينزل، أو نبيع حتة من ذهبك وهرجعهم أول ما الظروف تظبط.”

بصيتله بثبات وقلتله:

ـ “معاشي؟ وذهبي؟ مش إحنا اتفقنا إن كل واحد ليه حياته؟ انت خدت مرتبك الـ 15 ألف ليك ولعروستك، وأنا والعيال لينا المعاش.. ولا انت كلامك بيتغير؟”

اتنرفز وقال:

ـ “انتي هتذليني ولا إيه؟! أنا بتكلم في أزمة وتعدي! وبعدين الشقة دي مش بالنص بيننا؟ أنا ممكن أبيع نصي فيها عشان أفك زنقتي!”

هنا كانت اللحظة اللي كنت مستنياها. ابتسمت ببرود وقلتله:

ـ “تبيع نصك؟ تبيعه لمين يا مدحت؟ الشقة دي ملكي أنا بكتوبة باسمي مسجلة في الشهر العقاري من أيام المرحوم أبايا.. العقد الورقي اللي بيني وبينك ده بليله واشرب ميته، مالوش أي قيمة قانونية لأن الثمن ما اندفعش وما تسجلش.”

وشه اتخطف، والدم هرب من عروقه:

ـ “انتي بتقولي إيه؟! انتي بتضحكي عليا؟!”

في اللحظة دي، جرس الباب رن. جودي فتحت، ودخل أستاذ هاني المحامي ومعه اثنين محضرين من المحكمة.

مدحت خرج برة الأوضة وهو بيزعق:

ـ “مين دول؟! وانتوا داخلين بيتي كده إزاي؟!”

أستاذ هاني طلّع الأوراق بابتسامة ثقة وقال:

ـ “اتفضل يا أستاذ مدحت.. ده إعلان بدعوى نفقة بنوعيها للأولاد وللمدام، وده إعلان بدعوى أجر مسكن وأجر حضانة، بالإضافة للإنذار برفض التمكين من الشقة لأنها ملك خالص للمدام آمال، ومعاك مهلة أسبوع تخلي متعلقاتك الشخصية من الشقة، وإلا هنرفع دعوى طرد للغصب.”

مدحت صرخ كأنه مجنون:

ـ “نفقة إيه وطرد إيه؟! هي مش موافقة على القسمة؟! مش قالتلي موافقة؟!”

طلعتله بالكرسي المتحرك، وبصيت في عينيه بكل قوة وقلت:

ـ “كنت موافقة عشان أعرف أخرك إيه، وعشان تسقط كل الأقنعة قدام ولادك.. انت فاكر إني عشان رجلي اتعجزت بكون المكسورة اللي هترضى بالهوان؟ لا يا مدحت.. أنا رجلي هي اللي اتعجزت، مش عقلي ولا كرامتي. انت كنت فاكرني لقمة سائغة وهترميني أنا وولادك عشان تنبسط بمرتبك؟ أهو مرتبك الـ 15 ألف ده، المحكمة هتحجز على أكتر من نصيبه نفقة ليا ولعيالك بالسيف، والـ 5 آلاف الباقيين روح عيش بيهم انت والعروسة الجديدة في أوضة وصالة، وشوف بقى مين هيقف معاك كتف بكتف!”

مدحت بقى يتنطط زي الفرخة المذبوحة:

ـ “انتي حية! انتي بتستغفليني؟! أنا مش هسيبلك الشقة، أنا هوريكي!”

المحامي اترد عليه بحزم:

ـ “أستاذ مدحت، لو الصوت علي أكتر من كده أو حاولت تتعرض للمدام، فيه محضر عدم تعرض جاهز في القسم، وغير كدة التقرير الطبي بتاع الحادثة وأقوال الشهود هيدخلوك في سيناريو تاني خالص لو فكرت تستهبل. اتفضل اخرج بمعروف بدل ما تخرج بطلب من البوليس.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى