روايات وقصص

رجعت من السعودية بعد اربع سنين

بيقولوا لازم أثبت إني عندي نشاط تجاري أو أصول في البلد تغطي المبلغ ده، عشان قوانين المراقبة والضرايب. طلبوا مني أقدم ورق يثبت إني بمتلك عقار أو نشاط تجاري شغال، وإلا الفلوس هتتصادر أو هيتخصم منها نسب كبيرة.

وش عصام جاب ألوان، ومراته حطت إيدها على صدرها:

يا لهوي! نسب كبيرة؟! يعني جزء ضخم يطير في الهوا؟!

هزيت راسي بحزن مزيف:

أيوة.. والحل الوحيد إني أقدم ورق رسمي يثبت إني مالك لمعرض أو عقار. وأنا لسة راجع من السفر، ولا عندي ده ولا ده.

سكت شوية، وبصيت لعصام كأني بطلب مساعدته:

عصام.. إيه رأيك تكتب المعرض والشقة باسمي بيع وشراء صوري؟ مجرد ما أقدم الورق للبنك والفلوس تنزل في حسابي، هردلك كل حاجة، وفوقيهم هدية محترمة مني ليك عشان وقفتك جنبي، وهندخل شركا في الباقي.

عصام بلع ريقه.. الطمع كان بيصارع الخوف جواه. بس قبل ما ينطق، مراته سحبته من دراعه ودخلوا جوة. سمعت همسهم من ورا الباب:

يا غبي وافق! دي فرصة عمرنا! المعرض كله ما يسواش، إنت الكسبان، ده أخوك وما بيفهمش في السوق، هنضحك عليه بعدين وناخد كل حاجة.

طلع عصام، ووشه مرسوم عليه ابتسامة عريضة:

عيب عليك يا كريم، أنا وأنت واحد، المعرض وصاحب المعرض تحت أمرك، بكرة الصبح نكون في الشهر العقاري.

تاني يوم، كنا في الشهر العقاري. عصام كان بيوقع على عقود التنازل والبيع النهائي للمعرض، والشقة، وكل حاجة اتسجلت باسمي أنا. المحامي بتاعي، اللي كنت متفق معاه قبل ما أنزل مصر أصلاً، راجع الورق كله ووثقه بحيث ميبقاش لعصام أي ثغرة قانونية يرجع بيها في كلامه.

عصام مضى وهو بيضحك ومفكر نفسه بيصطاد عصفورين بحجر.. مكنش يعرف إنه بيمضي على نهاية ألاعيبه.

رجعنا البيت، كانت أمي طابخة وعاملة عزومة. زينب كانت قاعدة في ركن الأوضة، لسة تعبانة بس عينيها بتراقب اللي بيحصل بصمت.

بعد الغدا، عصام قعد حط رجل على رجل، وقال:

ها يا كيمو، الورق معاك وزي الفل.. هتروح البنك إمتى بقى عشان الدنيا تنور؟

قمت من مكاني بالراحة. قفلت باب الشقة بالمفتاح وحطيته في جيبي. وقفت في نص الصالة، وطلعت الورق من الشنطة.. عقود المعرض، والشقة. بصيت ليهم، وبعدين بصيت لعصام اللي كان مستني ردي.

بنك إيه يا عصام اللي أروحه؟ قلتها بصوت هادي، بس كان بيرن في المكان كله.

عصام كشر: البنك اللي فيه الفلوس يا ابني، مش قولت هتفك التجميد؟

ابتسمت ببرود، وطلعت تليفوني، وشغلت التسجيل اللي سجلته أول يوم رجعت فيه.. صوت أمي وهي بتقول: “الفلوس بتيجي باسمي أنا، وأنا اللي أقرر تروح فين!”، وصوت مرات عصام وهي بتهين مراتي.

وشوشهم اتغيرت. عصام وقف على حيله: إيه ده يا كريم؟ إنت بتسجلنا؟

أنا ما ضحكتش عليكم في حاجة. قلتها وضربت بإيدي على الترابيزة لدرجة إن الكوبايات اترجت. أنا كل اللي عملته إني استرديت حقي.. وفي المقابل، سيبتوا مراتي تكابد المرض والوجع، وشغلتوها خدامة عندكم!

أمي صرخت: يا مصيبتي! يعني إيه؟! مفيش فلوس أصلاً؟! والورق اللي أخوك مضاهولك؟

رديت بصوت حاسم، فيه كل الغضب اللي كتمته:

الورق ده هو حقي! الورق ده هو فلوسي اللي اتسرقت. المعرض ده بتاعي، بفلوسي! الشقة دي بتاعتي أنا! المحامي بتاعي كان مجهز كل حاجة.. عصام مضى على بيع نهائي لا رجعة فيه.. ودلوقتي، عصام لا يملك شيئاً.

مرات عصام لطمت على وشها: يا لهوي! بيتنا اتخرب! إنت نصبت علينا يا كريم؟

قربت منها، وعينيا ثابتة:

ده دهبي! صرخت.

ده شبكة زينب اللي سرقتيها منها! اقلعيها حالاً قبل ما آخدها بنفسي!

عصام حاول يتدخل ورفع إيده: إنت اتجننت يا كريم؟ أنا هشتكيك!

ضربت عصام لكمة خفيفة في كتفه أوقعته على الكرسي، ووقفت قدامه بقوة:

تشتكي مين يا هذا؟ أنا معايا كشوفات التحويلات البنكية كلها طول ال 4 سنين! معايا تقارير المستشفى اللي بتثبت إهمالكم في علاج مراتي. لو فتحت بوقك، هطالب بحقنا قانوناً في كل جنيه اتسرق! اقلعي الدهب يا حرامية!

مرات عصام من الرعب خلعت الغوايش وإيديها بتترعش ورمتها على الأرض. أخدتها ونفضتها، ورحت لزينب اللي كانت واقفة بتبكي من الفرحة، ولبستهالها في إيديها اللي خست من التعب.

أمي كانت بتبكي بانهيار: هتطرد أخوك في الشارع يا كريم؟ هتهون عليك أمك؟ ده أنا اللي شلتك في بطني!

بصيت لأمي، والوجع كان بيعصر قلبي. خيانة الأهل أصعب من أي غربة.

أنتي اللي هان عليكي ابنك وغربته. هان عليكي لحمه وعرضه. أنتي اللي شاركتي في إيذاء مراتي. أنا مش هرميكي في الشارع يا أمي.. لأن ربنا أمرني ببرك، بس المعاملة هتختلف تماماً.

بصيت لعصام اللي كان مكسور ومذلول، وقولتله قراري الأخير:

الشقة دي بتاعتي. المعرض بتاعي.. وهبيعه بكرة الصبح عشان أسفر مراتي تتعالج برة وأزرعلها كلى. أما أنتم.. ليكم عندي الأوضة اللي فوق السطوح. الأوضة اللي رميتوا فيها مراتي. تعيشوا فيها، وعصام يشتغل بجهده عشان يصرف عليكم، واللي مش عاجبه.. الباب مفتوح.

بعدها بيومين، كنت بايع المعرض واخدت فلوسه، وحجزت لزينب في أحسن مستشفى. وفي خلال أسابيع، بفضل الله، اتعملت لها عملية زراعة الكلى، وبدأت صحتها تتحسن، ووشها ينور من تاني.

وفي يوم، كنت واقف في البلكونة، بشرب شاي، وشايف عصام راجع من الشغل تعبان، ومراته بتزعقله من شباك المنور الصغير بتاع السطوح، وأمي قاعدة جنبهم بتتحسر على اللي ضيعوه بطمعهم.

ابتسمت، ودخلت الأوضة. لقيت زينب قاعدة بابتسامة هادئة، واتأكدت إن الطمع دايماً بيهد صاحبه.. وإن الهدوء في وقت الأزمات، هو أصدق طريق لاسترداد الحقوق.
تمت…
الكاتبه_نور_محمد
إيه رأيكم في نهاية عصام ومراته؟ وهل كريم أخد حقه صح ولا كان
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى