
رجعت من السعودية بعد أربع سنين غربة بدون أي إنذار. أربع سنين شغال في مواقع الإنشاءات تحت شمس المحرق، باكل وجبة واحدة في اليوم وبنام في غرفة صغيرة فيها ستة، عشان أبعت كل مليم لأمي وأخويا. الملايين اللي بعتها كان المفروض تروح لعلاج مراتي زينب اللي تعبانة، ولتأمين مستقبل بنتي الصغيرة.
طلعت للسطوح بالراحة. شفت زينب.. كانت خيال مآتة. جلد على عظم، شاحبة، لابسة جلابية قديمة، وقاعدة على ركبتها بتمسح البلاط بمية وصابون، وإيدها بتترعش من التعب. بنتي الصغيرة كانت قاعدة جنبها بتاكل لقمة جافة.
خلصي السطح وانزلي اغسلي المواعين اللي في المطبخ! صوت أمي جالي من شباك المنور: عصام جايب ناس مهمين يعاينوا المعرض الجديد، ومش عاوزين أي إزعاج.
وقفت مكاني. النفس اتحدد في صدري.
خلال المكالمات بالفيديو، كانت أمي بتطلع زينب من بعيد لثواني وتقولي كويسة وبتتعالج وزي الفل، “ادفع أنت بس يا كريم”. ولما زينب كانت تبطل تفتح الكاميرا، أمي تقول شبكة النت ضعيفة أو التليفون مكسور.
دلوقتي فهمت.
شفت مراتي بتحاول تقف، بس ركبها خانتها ووقعت. مرات عصام أخويا طلعت لها وهي لابسة غوايش زينب الدهب اللي اشتريتها لها في شبكتنا، ومسكت كوباية عصير وقالت بتهكم: إيه الدلع ده؟ قومي فزّي، بدل ما أقول لعصام يمنع عنك دوا الشهر ده كمان!
زينب عيطت بصوت واطي: أنا بقالي أسبوعين بروح العلاج على حساب الجيران.. الفلوس اللي كريم بيبعتها بتروح فين؟
أم عصام ردت بقسوة من الشباك: الفلوس بتيجي باسمي أنا، وأنا اللي أقرر تروح فين! المعرض اللي عصام فتحه أهم من أي حاجة!
جسمي كله كان بيغلي. عاوز أكسر الباب وأهد البيت فوق دماغهم. بس السنين اللي قضيتها في الشقى علمتني إن الغضب الأعمى بيضيع الحق.. والهدوء هو اللي بيبني المصيدة.
فتحت الباب بالراحة، ورميت الشنطة على الأرض.
الصوت هز الشقة. أمي صرخت، وعصام اتسمر مكانه، ومراته وقعت كوباية العصير. زينب بصلتي بذهول كأنها مش مصدقة عيونها.
كريم…؟
مشيت بثبات، عدّيت من وسطهم كأنهم هوى، وطلعت للسطح. شلت زينب بين إيدي.. كانت خفيفة زي الريشة، ريحتها تعب وشقى. بنتي مسكت في رجلي وهي بتعيط.
أمي جرت ورايا وهي بتأتأ: كريم يا بني! والله أنت فاهم غلط.. مراتك هي اللي مهملة في نفسها، وعصام كان بيحاول يسند البيت…
بصيت لغوايش زينب اللي في إيد مرات أخويا، وللعربية الجديدة المتركونة تحت العمارة، وللمعرض اللي فتحوه، وبصيت لمراتي اللي كانت بتدبل بالبطيء.
طلعت تليفوني من جيبي، وبصيت لأمي وعصام بكل برود وقولت: أنا صفيت شغلي هناك ورجعت للبلد خالص.. ومعايا تسوية ونهاية خدمة محترمة في الحساب، وجاي عشان نوزعهم…
عصام وعينيه لمعت بالجشع: مبلغ كبير؟!
ابتسمت بهدوء.. ودست على زرار التسجيل في التليفون.
الكلمة طلعت مني زي السحر، رميتها في نص الصالة وشفت مفعولها بيشتغل في ثانية.
مبلغ كبير بالقدر ده؟!
عصام كررها وصوته بيترعش، عينيه وسعت وبقت تلمع بجشع غطى على كل ملامح الخوف اللي كانت فيها من ثواني. مرات أخويا، اللي كانت واقفة تبصلي برعب، ملامحها اتغيرت فوراً، وكأنها نسيت إنها كانت لسة بتعذب مراتي، وابتسامة صفرا اترسمت على شفايفها.
أما أمي.. أمي اللي كانت بتبرر وبتدافع عن عصام، فجأة قعدت على الكنبة، ورفعت إيديها للسما وبدأت تدمع بتمثيلية متقنة:
يا حبيبي يا ابني! يا تعب شقاك يا غالي! كنت عارفة إن ربنا هيعوضك وهيجبر بخاطرك.. تعالى في حضن أمك يا كريم!
بصيت لهم بقرف طفى ناره جوة قلبي، وتجاهلتهم تماماً. شديت زينب لحضني أكتر، وبنتي مسكت في جلابيتي بخوف.
أنا هاخد مراتي وبنتي نرتاح في أوضتنا.. ومحدش يخبط علينا لحد الصبح، عشان أنا راجع هلكان، وعندي ترتيبات كتير أوي.
دخلت الأوضة وقبل ما أقفل الباب، سمعت مرات عصام بتوشوشه بصوت واطي ومتحمس: سمعت يا عصام؟ ده إحنا هنأمن مستقبلنا بالكامل!
قفلت الباب بالمفتاح. أول ما بقينا لوحدنا، زينب انهارت. قعدت على الأرض وبدأت تعيط بصوت مكتوم بيقطع في قلبي. نزلت على ركبي جنبها، أخدتها في حضني، وكانت خفيفة لدرجة إني حسيت إني حاضن طفلة.
سامحيني يا زينب.. حقك عليا إني سيبتك ليهم. والله العظيم ما كنت أعرف.
رفعت وشها المليان دموع وشحوب، وقالتلي بصوت متقطع:
كانوا بيموتوني بالبطيء يا كريم.. فلوسك اللي كنت بتبعتها كانت بتيجي حوالات باسم والدتك.. أول كام شهر كانوا بيدوني المصاريف، وبعدين عصام قال لأمك إني كدة كدة تعبانة، وخسارة فيا الفلوس، وإنه أولى بيها يفتح المعرض ويأمن مستقبله.. أمك وافقت، وقالتلي لو اشتكيتلك في التليفون، هيرموني أنا وبنتك في الشارع.
مسحت على شعر بنتي اللي كانت نايمة في حضن أمها من التعب والخوف، وبصيت لزينب، وعدتها:
دموعك دي، ومرضك اللي استهانوا بيه.. هخليهم يندموا على كل لحظة قسوة. بس اصبري عليا، أنا محتاجك قوية معايا اليومين دول بس.
تاني يوم الصبح، خرجت من الأوضة. لقيت فطار مرتب محطوط على السفرة. مرات عصام واقفة بجلابية نظيفة وبتبتسم:
صباح الخير يا أبو قلب أبيض.. الفطار جاهز، وعملتلك القهوة المضبوطة اللي بتحبها.
قعدت على السفرة ببرود. عصام طلع من أوضته بيفرك إيده وبيقرب مني كأنه تلميذ مستني رضا الأستاذ.
صباح الفل يا كيمو.. نورت بيتك يا بطل. ها، قولي بقى، ناوي تعمل إيه بالفلوس اللي معاك؟ أخوك في ضهرك، المعرض شغال واسمي بقى معروف في السوق، لو دخلت معايا شريك بالفلوس دي، في سنة واحدة هتكسب أضعاف مضاعفة!
شربت بق من القهوة، واتنهدت بتمثيل احترافي:
والله يا عصام أنا كنت ناوي على كده، بس في مشكلة صغيرة.
الكل سكت، وأمي قربت وقالت بقلق:
مشكلة إيه يا حبيبي؟
الفلوس متحولة من برة ك نهاية خدمة وتسوية، والبنك هنا مأخر الصرف ومجمد الحساب.
عصام اتنفض: ليه؟!



