
حالته تدهورت جداً، بطل ياكل، وشكل جسمه اتغير، ووشه بقى شاحب. في يوم، أخوه الصغير قلق عليه عشان مابيردش على التليفون بقاله أسبوع، فجاء له الشقة وفتح بالنسخة الاحتياطية.
أخوه اتصدم من المنظر! عصام كان قاعد على الأرض في الصالة، هدومه متبهدلة، عينيه غايرة ومحوقة بسواد، وماسك لعبة من لعب يوسف وبيعيط بهستيريا.
أخواته اتجمعوا فوراً، وعرفوا إن عصام بيمر بصدمة نفسية حادة وانهيار عصبي كامل بسبب عدم استيعابه لموت ابنه، والذنب اللي ارتكبه في حق بنته ومراته. أخدوه بالعافية وودوه لدكتور نفسي كبير.
الدكتور قعد معاه جلسات مكثفة، وتناول أدوية ومهدئات. في الجلسات، الدكتور بدأ يفكك معاه العقدة.. فهمه إن اللي حصل ليوسف كان قضاء وقدر محتوم، وإن نور طفلة بريئة مفيش في إيدها حاجة، وإن هروبه من الوجع ورميه للذنب على نور كان وسيلة عقله الهربان عشان يداري على عجز أبوي وحزنه.
مع الوقت والأدوية والجلسات، عصام بدأ يستوعب.. بدأ يبكي بحرقة، دموع حقيقية مش دموع غضب. استغفر ربنا، وتخيل البشاعة اللي كان هيفكر فيها لما يبعد بنته، وحس بقيمة العيلة اللي دمرها بإيده.
عرف إن قضاء ربنا نافذ، وإن يوسف أمانة وربنا أخدها، بس نور أمانة باقية ولازم يحافظ عليها.
بعد شهرين كاملين من العلاج والعزلة، دخل عليا بابا في الصالة وقال لي بصوت هادي:
“هدى.. عصام بره على الباب.. جاي ومعاه إخواته”.
قلبي اتنفض، ونور مسكت في جلابيتي فوراً. بصيت لبابا وقلت بخوف:
“أنا مش عايزة أشوفه يا بابا! ده كان عايز يبعد البنت!”.
بابا حط إيده على كتفي وقال:
“اسمعيه يا بنتي.. الراجل اتعالج وكان غايب عن وعيه من الصدمة، والنهارده جاي يعتذر ويصلح اللي أفسده، ونشوف عينيه فيها إيه الأول”.
خرجت الصالة وأنا ماسكة إيد نور وواقفة ورا بابا.
أول ما شفت عصام، اتصدمت.. الراجل كان خاسس النص، وشعره فيه شيب كتير، وعينيه دبلانة ومكسورة كسر مش طبيعي. مابقاش الراجل القاسي، بقى بني آدم مكسور ونادم لأقصى درجة.
أول ما عصام شاف نور، عينيه اتملت دموع، ونزل على ركبتيه قدامها في نص الصالة. صوته كان بيترعش وهو بيمد إيده ببطء شديد ويقول:
“نور.. يا بنتي.. سامحيني يا نور.. سامحيني يا حبيبتي، أنا كنت عميان.. الشيطان كان عامي قلبي وعقلي.. سامحي بابا يا نور”.
نور بصت لي، وأنا هزيت لها رأسي وأنا بدمع. البنت بطفولتها ونقاء قلبها، مشيت خطوات بطيئة ناحيته، وأول ما قربت منه، عصام أخدها في حضنه وبكى بكاء راجل بيغسل ذنبه وقهره، وبقى يبوس في رأسها وإيديها ويقول: “أنتِ العوض.. أنتِ اللي باقية لي يا نور.. سامحيني يا بنتي”.
وبعدين بص لي وعينيه كلها ترجي:
“سامحيني يا هدى.. أنا عرفت غلطي، وعرفت إن ربنا أخد يوسف بس سابلي نور عشان أراعيها.. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أعوضكم عن الكابوس ده.. ارجعوا معايا، والبيت اللي كان ضلمة هيتنور بوجودكم من تاني”.
أبويا اتكلم وقال: “الأهم يا عصام إنك تكون عرفت إن الضنا مابيتعوضش، وإن اللي حصل ده كان قدر ربنا، مش ذنب البت”.
عصام هز رأسه بصدق: “والله عرفت يا عمي، وتُبت لربنا واستغفرت، ونور دي هحطها في عيني وهتكون هي كل حياتي”.
وافقنا ونزلنا ورجعنا البيت..
ومن اليوم ده، عصام اتغير ١٨٠ درجة. رجع حنين أكتر من الأول بمراحل، بقى يقضي كل وقت فراغه مع نور، يذاكر لها، يلعب معاها، ويفسحها، وما يرفضلهاش طلب. بقى يروح معاها المقابر يزوروا يوسف، ويقرأوا له الفاتحة سوا، ويقولها: “أخوكي في الجنة يا نور، وبيحبك ومستنينا هناك”.
البيت رجع فيه الدفا من تاني، وبقت نور هي النور الحقيقي اللي أضاء حياة عصام بعد الضلام، وعرفنا إن مهما كانت الصدمة شديدة، الإيمان بالقضاء والقدر والرحمة بالضنا هما السند الوحيد اللي بيخلينا نقدر نعدي أعتى الأيام.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




