
حين كنتُ في السابعة من عمري، كان جميع من في حيّنا في إزمير يعرفون أنني أكثر الفتيات عنادًا. كنتُ عنيدة لأنني في أحد الأيام وقفتُ في وسط ساحة البناية، ودموعي تملأ وجهي، وأشرتُ إلى جارنا الذي كان يكبرني بعشر سنوات، وأنا أصرخ أمام الجميع: عندما أكبر سأتزوج إمرة! لن أتزوج أحدًا غيره!
انفجر الحي كله بالضحك.
أاما أمي، وقد جمعت بين الخجل والغضب، فأمسكتني من أذني وسحبتني إلى داخل البيت.
وأما إمرة، فقد احمرّ وجهه حتى أذنيه، ووقف هناك مرتبكًا لا يعرف ماذا يفعل.
قال الكبار ساخرين:
أيتها الفتاة الصغيرة، ماذا تعرفين عن هذه الأمور؟
لكنني أتذكر ذلك اليوم بوضوح شديد. فقد انحنى إمرة نحوي، وربت على رأسي، وقال بصوت لطيف:
قولي هذا عندما تكبرين. أما الآن، فاجتهدي في دراستك.
هززتُ رأسي من دون تردد.
ومنذ ذلك اليوم صار لدي هدف واضح في ذهني: أن أكبر، وأن أدرس جيدًا ثم أتزوج إمرة.
كان إمرة محبوبًا من الجميع في الحي. كان طويل القامة، ذكيًا، ومهذبًا. وقد فقد والديه في سن مبكرة، وكان يعيش مع جدته في البيت المجاور لبيتنا.
حين كنتُ في الصف الأول الابتدائي، كان هو قد صار طالبًا جامعيًا.
في كل مساء كان يجلس على درج البناية وكتاب في يده، ويراقبني بطرف عينه وأنا ألعب في الساحة.
إذا سقطتُ عن دراجتي، كان ينظف جروحي.
وإذا تدنت درجاتي، كان يساعدني على الدراسة.
وإذا أبكتني صديقة أزعجتني، كان يأخذني لشراء المثلجات.
في عالمي الصغير، كان إمرة أشبه ببطل خارق.
وحين بلغتُ الثانية عشرة، اختفى.
لم يكن هناك وداع. في صباح أحد الأيام رأيتُ أن بيتهم مغلق. كانت جدته قد توفيت، وكان قد غادر الحي.
وقفتُ أمام باب بيتهم، أضم حقيبتي المدرسية إلى صدري، وأبكي كما لو أن جزءًا من طفولتي قد ضاع.
ومنذ ذلك اليوم لم أره مرة أخرى.
مرت خمسة عشر سنة.
كبرتُ.
لم أعد تلك الطفلة ذات الأعوام السبعة التي تبكي وهي تتحدث عن الزواج.
اجتهدت كثيرًا، التحقت بجامعة مرموقة في إسطنبول، وتخرجتُ فيها بمرتبة الشرف، وكان الجميع يقول إن مستقبلًا مشرقًا ينتظرني.
لكن في زاوية صغيرة من قلبي ظل هناك مكان لإمرة.
لم أكن أعرف كيف أصبح حاله، ولا أين يعيش، ولا ما إذا كان يتذكرني أصلًا.
لكن كلما شعرتُ بالتعب، تذكرت كلماته: “اجتهدي في دراستك”، فأواصل المضي قدمًا.
وفي اليوم الذي دخلتُ فيه إلى المقر الرئيسي لشركة غونيش القابضة، إحدى أكبر الشركات في تركيا، وأنا أحمل ملف أوراقي، قلتُ لنفسي: “احصلي على الوظيفة فقط ولا تنتظري أكثر من ذلك”.
كانت غرفة المقابلة واسعة ومضيئة. جلستُ مستقيمة الظهر، أجيب عن أسئلة اللجنة واحدًا تلو الآخر. كان كل شيء يسير على ما يرام حتى فُتح الباب الخلفي.
دخل رجل.
وقف الجميع في الغرفة.. المدير التنفيذي.
شعرتُ بأن قلبي يكاد يقفز من صدري.
كان أطول مما أتذكر، يرتدي بدلة أنيقة، ونتظرته حازمة، لكن وجهه بدا مألوفًا على نحو غريب.
ألقى نظرة سريعة على اللجنة، ثم استقرت عيناه عليّ. وظل ينظر طويلًا.. طويلًا إلى حد جعلني أشعر بالارتباك، ثم فجأة ابتسم.
تلك الابتسامة شدّت قلبي بقوة، وقال بنبرة فيها شيء من المزاح وشيء من العمق:
هل تقدمتِ بطلب لتصبحي زوجة المدير التنفيذي؟
تجمد الهواء في الغرفة.
نظرتُ إليه جيدًا.. لم يعد هناك شك. تلك الابتسامة، والطريقة التي يميل بها رأسه قليلًا إلى الجانب.. كان هو!
همستُ من غير أن أعي:
إمرة!
تبادل أعضاء لجنة الاختيار نظرات حائرة.
رفع إمرة يده قليلًا وقال:
هل يمكن أن تتركونا بضع دقائق؟
خرج أعضاء اللجنة من الغرفة واحدًا تلو الآخر، وأُغلق الباب بهدوء. صار الصمت أثقل.
كنتُ ما زلتُ جالسة في مكاني، لا أعرف إن كان عليّ أن أضحك أم أبكي.
هو كان أول من تكلم:
لقد كبرتِ كثيرًا يا لوسيا.
سماع اسمي من شفتيه جعل شيئًا في داخلي يرتجف.
قلتُ بصوت أضعف مما توقعت:
وأنت أيضًا.
اقترب خطوة من الطاولة:
عرفتكِ منذ اللحظة التي دخلتِ فيها. حاولت أن أحافظ على جديتي لكن يبدو أنني لم أنجح كثيرًا.
ابتسمتُ:
لم تكن بارعًا في إخفاء مشاعرك.
ضحك بخفة:
وأنتِ أيضًا، خصوصًا عندما كنتِ في السابعة. كنتِ صادقة جدًا.
احمرّ وجهي:
لا تزال تتذكر ذلك؟
بالطبع أتذكره. الحي كله يتذكر. فتاة صغيرة بضفيرتين تبكي وتشير إليّ كأنها توقع عقدًا.
ضحكنا معًا، وتبدد التوتر تدريجيًا.
لكن كان هناك سؤال لا بد أن أطرحه. قلت:
لماذا رحلتَ من دون وداع؟
صار وجهه جادًا:
مرضت جدتي فجأة وحدث كل شيء بسرعة. بعد الجنازة حصلت على منحة في إسطنبول، فشعرت أن عليّ الرحيل، ولم أعرف كيف أقول وداعًا وظننت أن اختفائي سيكون أسهل عليك.
ابتلعتُ ريقي:
لم يكن أسهل.
خفض رأسه:
أععلم.. لكن كلما ترددتُ في أمر، كنت أتذكر شيئًا.
ماذا؟
طفلة صغيرة وعدتني بأنها ستجتهد في الدراسة.
امتلأت عيناي بالدموع، وقلت:
لقد أوفيت بوعدي.
أعرف.. لقد قرأت ملفك. تفوق، وتوصيات ممتازة. لقد اجتهدتِ كثيرًا.
للحظة نسيت أنني جئت للمقابلة، قلت مبتسمة:



