شعرتُ وقتها وكأن شيئًا انكسر داخلي من جديد.
ورغم أنني كنت أعرف الحقيقة تقريبًا…
إلا أن سماعها بصوت واضح كان مختلفًا تمامًا.
كأن الجرح فُتح مرة أخرى أمامي.
أكملت بصوت متقطع:
“أبوك لم يكن يعرف التفاصيل كاملة في البداية… لكنه بدأ يشك بعد فترة.”
ثم بدأت تحكي لأول مرة بهدوء حقيقي.
“في الليلة التي دخلتُ فيها غرفة العمليات… كان أخوك في الطابق نفسه.”
شعرتُ ببرودة تضـ,رب ظهري.
أما هي فأكملت وهي ترتجف:
“حالتي كانت ميؤوسًا منها تقريبًا… والأطباء قالوا إنني لن أعيش دون زراعة عاجلة.”
سكتت لحظة طويلة.
“وفي الليلة نفسها… دخل أخوك المستشفى بعد الحادث.”
اختفى الصوت من الغرفة.
حتى أنني توقفت عن التنفس للحظة.
قالت وهي تبكي:
“كان ما يزال حيًا…”
ثم أغلقت عينيها بقوة وكأنها لا تحتمل الكلمات.
“لكن الطبيب المسؤول أخبر والدي أن فرص نجاته ليست كبيرة… وأن توافق الأنسجة بيننا نادر بشكل شبه مستحيل.. وإذا تمت العملية ستنعدم فرصة نجاته.
شعرتُ بيدي تنقبضان ببطء.
رفعت عينيها نحوي أخيرًا.
وكان داخلهما رعب قديم لم يمت.
“الطبيب هو من اقترح الأمر.”
لم أفهم في البداية.
لكنها همست بعدها مباشرة:
“اقترح أخذ جزء من الكبد قبل إعلان وفاته رسميًا.”
شعرتُ بالغثيان فورًا.
ونهضت من مكاني بعـ,نف حتى اصطد,مــ,ت الطاولة الصغيرة بقدمي.
“ماذا…؟”
خرج صوتي مخــ,نوقًا.
أما هي فبدأت تبكي بشكل أقوى.
“أبي وافق…”
وضعت يدها فوق فمها وهي ترتجف.
“كان مرعوبًا من ان يفقدني… وكان مستعدًا لفعل أي شيء حتى لا أموت.”
شعرتُ أن الغرفة تدور حولي.
أخي…
كان ما يزال حيًا.
تلك الفكرة وحدها كانت كافية لتمزيقي من الداخل.
أكملت وهي تبكي:
“بعدها تم التلاعب بالتقارير… وأُعلن موته أسرع مما كان يجب.”
لم أعد قادرًا على النظر إليها.
أما هي فأكملت بصوت محطم:
“والطبيب أخذ أموالًا ضخمة مقابل صمته… ثم اختفى بعدها من المستشفى تمامًا.”
شعرتُ وقتها أنني أختنق.
لأول مرة…
لم أعد أرى ما حدث مجرد “خطأ”.
بل ج*ريمة كاملة.
قالت وهي تمسح دموعها المرتجفة:
“وعندما بدأ أبوك يشك… حاول والدي احتواء الأمر بالمال.”
ضحكتُ فجأة دون إرادة.
ضحكة قصيرة ومكسورة.
لأنني استطعت تخيّل أبي بوضوح.
رجل بسيط بملابس مليئة بغبار البناء…
وخلف عينيه خوف هائل على ابنه…
ثم يأتي أحدهم ليضع المال أمامه وكأن طفلًا يمكن استبداله بورق.
قالت بعدها بسرعة وكأنها تخاف من شيء آخر:
“ثم مات والدك بعد ذلك بفترة في حادث العمل…”
ورفعت عينيها نحوي فورًا.
“لكن أقسم بالله… موته لم يكن مدبرًا.”
سكتت قليلًا ثم همست:
“أحيانًا الحياة تكون ظالمة بما يكفي دون مؤامرات.”
تلك الجملة بقيت تدور داخل رأسي طويلًا.
لأنها كانت حقيقية بشكل مرعب.
أخي مات فعلًا بسبب ما فعله والدها.
هذه الحقيقة لم تعد مجرد شك.
لكن أبي…
لم يُق*تل.
كان مجرد رجل فقير أتعبه الحزن والعمل والخوف حتى ســ,قط يومًا من فوق البناء وانتهى كل شيء.
وذلك كان موجعًا أكثر.
لأنني طوال سنوات كنت أبحث عن وحش واضح أكرهه…
لكن الحقيقة كانت أقذر من ذلك.
رجل خائف على ابنته.
طبيب بلا ضمير.
وطفل فقير لم يكن أحد سيسأل عنه طويلًا.
ثم حياة كاملة انهارت بعدها وحدها.
سكتُّ طويلًا.
ثم سألتها فجأة:
“هل تكرهينه؟”
ارتجفت شفتاها فورًا.
وكأن السؤال مزّقها من الداخل.
ثم همست بعد صمت طويل:
“كل يوم… ثم أحبه من جديد.”
تلك كانت أول مرة أفهم فيها حقيقة عذابها فعلًا.
بعد ذلك اليوم بدأت أراها بشكل مختلف.
خارج شكلها.
وخارج كلام الناس.
وخارج كل الإشاعات التي لاحقتها عمرها كله.
رأيت إنسانة تعيش داخل عقوبة مستمرة منذ سنوات.
كانت بالكاد تنام.
وتتناول أدوية نفسية منذ مراهقتها.
وأحيانًا كنت أسمعها تستيقظ مذعورة من النوم بعد كوابيس لا تخبرني عنها.
وتشعر بالذنب حتى وهي تضحك.
كأنها تعتذر عن وجودها نفسه.
وفي المقابل…
بدأت هي ترى عالمي الحقيقي لأول مرة.
رأت أمي وهي تخــ,تنق ليلًا بسبب ضعف تنفسها.
رأت البيت الضيق القديم.
رأت الرطوبة على الجدران.
ورأت كيف كنت أعود من العمل ويدي مليئتين بالجــ,روح والتشققات.
وفي إحدى المرات…
رأتني أغيّر ضمادة يدي بعد يوم طويل في البناء.
كانت واقفة عند باب الغرــ,فة بصمت.
ثم اقتربت ببطء وهي تنظر إلى الجرح المفتوح قرب أصابعي.
وفجأة…
بكت.
قالت وهي تحدّق في يدي وكأنها ترى شيئًا لا تحتمله:
“كل هذا… ونحن كنا نعيش هناك دون أن نشعر بأي شيء.”
لم أعرف ماذا أقول وقتها.
لأنني لأول مرة شعرت أن أحدًا من عالمها يرى عالمنا فعلًا.
ليس كحكاية حزينة يسمعها الناس ثم ينسونها…
بل كشيء حقيقي يمكن لمسه.
ومنذ ذلك اليوم بدأت تزور أمي كثيرًا.
في البداية كانت أمي متحفّظة معها بشكل واضح.
تراقبها بصمت طويل.
وكأنها تحاول أن تقرر هل تكرهها… أم تشفق عليها.
لكنها مع الوقت بدأت تراها على حقيقتها.
امرأة خائفة أكثر مما هي مؤذية.
وفي إحدى الليالي…
سمعت أمي تسعل بقوة داخل غرفتها.
وقبل أن أتحرك…
وجدتها تركض نحوها.
جلست بجانبها تساعدها على التنفس وترتب الوسادة خلف ظهرها بيدين ترتجفان.
ثم بقيت مستيقظة قربها حتى الفجر.
وفي الصباح…
سمعت أمي تقول لها بصوت متعب:
“أنتِ لستِ أباكِ.”
تجمّدت ملامحها بالكامل لحظة سماع الجملة.
ثم بدأت تبكي بصمت وكأن أحدًا فتح جرحًا قديمًا داخلها.
ومع مرور الأيام…
بدأ شيء غريب يتغيّر بيننا.
لم يكن حبًا.
ولم يكن غفرانًا.
بل نوعًا من الفهم البطيء والمؤلم.
صرنا نتحدث أحيانًا لساعات طويلة.
عن الخوف.
عن الوحدة.
عن الشعور بأن الحياة بدأت بشكل خاطئ منذ البداية.
هي كانت تخاف من الناس.
وأنا كنت أخاف أن أقترب منها أكثر مما ينبغي.
لأن جزءًا داخلي كان ما يزال يرى أخي كلما نظرت إلى الندبة أسفل بطنها.
لكن أكثر شخص تغيّر…
كان والدها.
بعدما عرف أنني عرفت الحقيقة كاملة…
لم يحاول تهـ,ديدي.



