عام

الحقيني يا طنط

الحقيني يا طنط.. هو قالي وجع أول مرة بس وبعدين خلاص..
الكلمتين دول نزلوا زي الصـ,اعقة على ودن هبة، موظفة استقبال بلاغات النجدة في وردية الضهر الكئيبة. المكان كان هادي، وصوت تكتكة الكيبورد والمراوح كان هو السايد، لحد ما الخط ده اتفتح. مكنش فيه صـ,ريخ، ولا دوشة، ولا حد بيستغيث بصوت عالي.. كان مجرد صوت نفس مخـ,نوق، وحشرجة عيل صغير، وحسيس حركة هدوم قريبة قوي من السماعة. هبة اتعدلت في مكانها، جسمها قشعر من غير ما تعرف ليه، وقالت بصوت حنين وهي بتحاول تطمنها أيوة يا حبيبتي،

سامعاكي.. إيه اللي بيحصل عندك؟ الخط سكت لثانية، ومفيش غير صوت تزييق خشب قديم في الخلفية، وبعدها البنت همست بالجملة اللي وقفت الدم في عروق هبة. هبة صوابعها اتسمرت فوق الكيبورد، مش عشان مش فاهمة، لأ.. عشان فاهمة كويس قوي. السكوت كان مرعب، والجملة مكنتش طالعة بخوف، كانت طالعة بطاعة عمياء وتلقين، كأن حد محفظها الكلام ده من كتر ما اكرر.

هبة بلعت ريقها وسألتها اسمك إيه يا شاطرة؟ البنت ردت بصوت مرتعش ليلى. طب يا ليلى، إنتي في مكان أمان دلوقتي؟ البنت سكتت، وصوت تزييق باب الشـ,قة ظهر في الخلفية، وقالت أنا مستخبية في الأو,ضة.. بس هو قالي متتصليش بحد. في نفس اللحظة، شاشة الكمبيوتر قدام هبة نورت

بالعنوان بيت دور أرضي في حارة ضيقة متفرعة من شارع بين السرايات. منطقة شعبية زحمة، البيوت لازقة في بعضها، والناس واقفة على ناصية الشارع بتشرب شاي، والدنيا تبان طبيعية جداً.. بس محدش واخد باله من الكارثة اللي بتداري ورا الشبابيك المقفولة. هبة بلغت اللاسلكي فوراً وبنفس النبرة الهادية عشان متخوفش البنت ماشي يا ليلى، إنتي شاطرة وزي الفل، خليكي معايا على الخط ومتخافيش. دي كانت أول جملة صادقة البنت تسمعها من حد كبير.
في نفس الوقت، في قسم الشرطة، الرائد أحمد نصار كان قاعد بيراجع الدفاتر لما جاله إخطار النجدة والتسجيل الصوتي. أحمد راجل عدا الخمسين، شعره غزا فيه الشيب، وعيونه شافت من بلاوي الدنيا كتير لدرجة إن ملامحه بقت زي الصخر مبيبانش عليها أي تعبير. بس أول ما سمع همس ليلى قالي وجع أول مرة بس، حس بنغزة قوية في صدره وكأن الهوا اتقطع عنه. بص على الشاشة لقى ملحوظة النجدة البلاغ لطفلة، والصوت يبدو ملقناً. أحمد قام من مكتبه، سحب طبنجته ومفاتيح البوكس وقال لزميله أنا اللي هطلع البلاغ ده بنفسي.

لما نزل الشارع، الشمس كانت حامية، وصوت بياعين الخضار وصياح العيال اللي بتلعب كورة في الحارة كان مالي الدنيا، الأجواء تبان طبيعية وسلام مالي المكان، بس أحمد كان حاسس إن الحارة دي بتخبي سر أسود. ورا الستائر والشيش المقفل، الشياطين بتعرف تستخبى كويس. أحمد طلب من القوة تقفل السرينة قبل ما يدخلوا الشارع عشان عنصر المفاجأة، وعشان أي حركة غلط ممكن تضيع البنت. ووقفوا العربيات على أول الحارة ونزلوا مشي. البيت كان قديم، بابه خشب متهالك، وجنبه على الحيطة شخابيط أطفال بالطباشير.. رسمة شمس عوجة، وقلب مقسوم نصين، وجنب العتبة الطباشير ممسوح كأن حد جري بسرعة أو اتمسح بجزمة.

أحمد قرب من الباب براحة، وخطواته كانت حذرة جداً. الشيش بتاع الأوضة اللي على الشارع كان موارب يدوب سنتيمترات، ومن الفتحة الضيقة دي، أحمد لمح فردة شراب ميكي ماوس صغيرة مرمية على الأرض، ووراها ضلمة كاحلة. المكان جوة البيت سكت فجأة سكوت مش مريح.. سكوت مرعب يخلي الشعر يقف. أحمد رفع إيده ولسه هيخبط على الباب، وفجأة الشيش اتهز حاجة بسيطة.. مظهرش وش، بس ظهرت عين واحدة.. عين صغيرة، واسعة، ودموعها مغرقاها، مليانة رعب ميتوصفش، وبصت لأحمد لثانية واحدة قبل ما تخـ,تفي في ضلمة الطرقة جوة الشــ,قة..
اللحظة دي مكنتش مجرد بداية لمداهمة عادية.. دي كانت البوابة لسر مدفون تحت البلاط، سر لو اتعرف هيهز المنطقة كلها ويقلب مواجع مكنش حد يتخيل إنها موجودة في البيت الهادي ده. يا ترى أحمد هيلحق ليلى قبل فوات الأوان؟ وإيه اللي مستنيهم ورا الباب المقفول ده؟

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى