عام

حماتي مسكت الميكروفون قدام كل المعازيم

لف لها، فقالت
كان من الناس اللي لما يدخل مكان الناس تطمن.
مش عشان صوته عالي
عشان قلبه كبير.
أمي طول عمرها تقول لي
أبوكِ ساب لنا
بس ساب لنا شرف يكفّي الدنيا.
أحمد نزل عينه.
وقال
وأنا
أمي سابت
لي كل حاجة
إلا المعنى.
الجملة كانت تقيلة.
لكنها كانت صادقة.
مرت أيام بعد الليلة دي.
الخبر ما انتشرش بشكل رسمي
لكن زي أي حكاية بتحصل وسط الناس، اتنقل من ودن لودن.
وكل ما الحكاية تتحكي
كانت عفاف تطلع أصغر
وستوتة تطلع أكبر.
نيرمين رجعت شغلها في المستشفى.
لكنها ما كانتش زي الأول.
بقى في جواها يقين أكبر.
ثبات أكبر.
إحساس إن كل تعب أمها تحول في ډمها لقوة.
أما أحمد
فبدأ يتغير.
مش تغيير كلام.
ولا حماس يومين.
تغيير حقيقي.
بطل يرجع البيت القديم غير للضرورة.
وبدأ يدور على شغل يعتمد فيه على نفسه فعلًا، بعيد عن اسم أمه ونفوذها.
ولأول مرة في حياته
رفض يساعدوه بسبب المعرفة.
قال لصاحب الشركة اللي كان هيشغله مجاملة
أنا عايز الفرصة لو أستحقها
مش عشان أنا ابن فلانة.
الرجل بص له باستغراب، ثم ابتسم وقال
واضح إنك كبرت.
وكان فعلًا كبر.
لكن مش بالسن.
بالموقف.
أما ستوتة
فحياتها رجعت هادية.
لكن هدوء مختلف.
كأن الليلة دي حررتها من حاجة قديمة.
سنين وهي ساكتة.
سنين وهي بتبلع الكلمة.
سنين وهي تختار السلامة على المواجهة.
لكن لما اتكلمت
ما اتكلمتش بس عشان نفسها.
اتكلمت عن كرامة كل واحدة الناس شافوا شغلها وما شافوش تعبها.
اتكلمت عن كل أم خَبَت دموعها تحت طرف المريلة.
عن كل أرملة شالت حمل عمر كامل لوحدها.
عن كل ست الناس اختصروها في شغلانة
ونسوا إنها حكاية كاملة.
وفي يوم
بعد حوالي شهرين
أحمد راح لستوتة وقال
أنا بفكر أطلب إيد نيرمين.
ستوتة كانت بتقشر بطاطس.
رفعت عينيها له.
ما اتفاجئتش.
كأنها كانت شايفة ده جاي من بعيد.
لكنها قالت بهدوء
وأنت طالبها من مين؟
من أمها؟
ولا من نفسك الأول؟
أحمد ما فهمش في الأول.
فستوتة كملت
الجواز مش حب وبس.
ولا موقف حلو وخلاص.
الجواز مسؤولية.
وأهم من حبك لبنتي
هو سؤال واحد
هل إنت بقيت راجل يعرف يصون؟
ولا لسه بتتعلم؟
أحمد سكت شوية، وبعدها قال
أنا لسه بتعلم
بس لأول مرة
بتعلم بصدق.
ستوتة رجعت تبص للبطاطس،
وقالت
لما تبقى متأكد إنك مش جاي تاخد بنتي
ابقى تعالى اطلبها.
أحمد ابتسم رغم رهبة الكلام، وقال
وعد.
في الليلة دي، نيرمين كانت واقفة في البلكونة.
أحمد قرب منها وقال
أنا عمري ما قابلت حد زيك.
ولا حد زي والدتك.
نيرمين
ردت وهي باصة للسما
إحنا ناس عاديين جدًا.
قال
لا
إنتوا مش عاديين.
إنتوا نادرين.
سكت لحظة، ثم قال
أنا كنت عايش طول عمري فاكر إن الرقي
فلوس.
لحد ما شوفتكم.
وعرفت إن

الرقي
طريقة كلام.
ونظرة عين.
وصبر وقت الچرح.
وكرامة من غير صوت عالي.
نيرمين لفّت له وبصت في عينه.
وكان واضح إنها بتحبه
لكن كمان واضحة إنها مش هتفرط في كرامتها أبدًا.
قالت
أنا ممكن أسامح چرح الدنيا كلها
إلا چرح الكرامة.
أحمد هز راسه وقال
عارف.
وعشان كده
أنا باقي عمري كله هفضل أصلّح.
مرت شهور.
وعفاف
كانت في الناحية التانية بتذوق الوحدة حبة حبة.
البيت الكبير بقى بارد.
الأكل فاقد طعمه.
التلفزيون شغال، لكنها مش سامعة.
صحباتها بقوا أقل.
المكالمات قلت.
الدعوات قلت.
الزيارات قلت.
الناس بتحب تقرب من القوة
لكنها بتبعد عن .
وأكتر حاجة كانت
إن كل ركن في البيت كان بيفكرها بأحمد.
كوب المفضل.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى