
ما حاولتش تنتصر بطريقة .
بالعكس.
انحنت بهدوء، شالت شنطتها، وعدّلت طرحتها، وقالت في منتهى الهدوء
تصبحوا على خير.
الجملة كانت بسيطة
لكن كانت أرقى من القاعة كلها.
نيرمين جريت عليها فورًا وقالت بصوت متقطع من البكاء
استني يا ماما
أنا جاية معاكي.
وأحمد، من غير ما يفكر، مد إيده ومسَك إيد نيرمين وقال
ولو نيرمين خرجت أنا كمان هخرج.
البيت ده من بكرة مليش مكان فيه.
عفاف حست إن الأرض بتميد تحتها.
مش بس لأنها اتهانت.
لكن لأنها لأول مرة تخسر بجد.
تخسر ابنها.
قالت باڼهيار وهي بتحاول تحتفظ بكرامتها اللي
كانت بتتبخر قدام الناس
أحمد إنت هتسيب أمك علشان واحدة خ وبنتها؟!
أحمد بص لها
وكانت دي اللحظة اللي عفاف فهمت فيها إن ابنها كبر فعلًا
وكبر بعيد عنها.
قال لها
أنا مش بسيب أمي عشان حد.
أنا بسيب .
بسيب .
بسيب البيت اللي كل حاجة فيه غالية
إلا الرحمة.
الكلمة الأخيرة خرّستها.
خرجوا التلاتة مع بعض.
ستوتة في النص
ونيرمين على يمينها
وأحمد على شمالها.
وكان المشهد كله كأنه لوحة.
مش لوحة ناس خارجة من قاعة.
لا.
لوحة ناس خارجة من وهم
للحقيقة.
سابوا عفاف لوحدها في القاعة الفخمة
وسط النجف الكريستال
والرخام اللامع
والستائر التقيلة
والترابيزات المترتبة
بس قلبها كان أضلم من السواد.
وقفت في مكانها ثواني طويلة.
حاولت تشد نفسها.
تحاول تقول إن عادي.
إنها مش فارقة.
إن الناس هتنسى.
إن أحمد هيرجع.
إن كل ده مجرد انفعال.
لكن جواها
كانت عارفة.
اللي الليلة دي
مش هيتصلح بسهولة.
رجعت أوضتها آخر الليل.
حلقها.
فكّت السلسلة.
شالت الخواتم.
حطت كل حاجة على التسريحة.
وبصّت لنفسها في المراية.
لأول مرة
ما شافتش الست الأنيقة اللي دايمًا معجبة بنفسها.
شافت واحدة عجوز من جوّا.
واحدة عمرها كله جري ورا الشكل
ونسيت الجوهر.
واحدة كانت فاكرة إن السلطة في إنها تقلّل من الناس.
وطلعت السلطة الحقيقية
في إنك ترفع الناس.
قعدت على وبكت.
بكت بمرارة.
مش عشان الناس شافوها على حقيقتها بس
لكن عشانها فجأة افتكرت حاجات كتير كانت ناسية نفسها عنها.
افتكرت بدايتها.
افتكرت إنها هي نفسها ما اتولدتش في قصر.
ولا كانت بنت باشا.
كانت بنت أسرة عادية جدًا.
وإن أول فستان سواريه ، كانت مستلفاه.
وإن أول مرة حد حسسها بالنقص، حلفت وقتها إنها عمرها ما تبقى قليلة قدام حد.
لكنها بدل ما تعالج ۏجعها
بقت توجّع غيرها.
بدل ما تكون رحيمة مع الناس اللي شبهها زمان
بقت أشرس عليهم.
وفي الناحية التانية
كان الطريق هادي.
نيرمين ماشية جنب أمها،
ماسكة إيديها بإيدين الاتنين، كأنها خاېفة تسيبها ولو ثانية.
وأحمد ساكت.
ساكت جدًا.
حد فيهم ما كانش عايز رهبة اللحظة بالكلام.
لحد ما ستوتة قالت وهي ماشية
يا رب استرها علينا من
عندك.
ساعتها نيرمين
إنتِ ستر العمر كله يا ماما.
أحمد حس بحاجة بتوجعه جواه.
ۏجع جميل ومؤلم في نفس الوقت.
جميل لأنه أخيرًا قرب من ناس حقيقيين.
ومؤلم لأنه اكتشف قد إيه كان عايش في بيت فاقد للحاجات دي.
وصلوا عند بيت ستوتة القديم.
صغيرة.
متواضعة.
أثاثها بسيط.
لكن أول ما دخلوا
كان فيها راحة ما لاقوهاش في أكبر القصور.
ريحة الأكل القديم في المطبخ.
المفرش النضيف.
الصور المعلقة لنيرمين وهي صغيرة.
صورة أبوها في البرواز الخشبي.
المصحف المحطوط على الرف.
الهدوء اللي في المكان.
أحمد وقف يبص حواليه
وحس بخنقة.
مش من ضيق المكان.
لا.
من اتساع الفرق.
فرق رهيب بين بيت كبير جدًا ومفيهوش روح.
وبين بيت صغير لكن مليان بشړ.
ستوتة دخلت المطبخ تلقائيًا، كأنها بتستعيد توازنها بالحركة، وقالت
أعملكم شاي؟
نيرمين جريت عليها وقالت
إنتِ لسه هتسألي؟ اقعدي إنتِ وأنا أعمله.
ستوتة ابتسمت.
ابتسامة صغيرة، لكنها دافية.
وقالت
لا يا بنتي طول ما إيدي بتتحرك، يبقى أنا بخير.
الكلمة دي دخلت قلب أحمد بشكل غريب.
ستوتة كانت من النوع اللي لا بيدّعي البطولة
ولا بيستعرض الألم
ولا حتى بيطلب شفقة.
ست بتعيش وتكمل وتسند، كأن التعب جزء من نَفَسها.
قعد أحمد في الصالة، وبص لصورة والد نيرمين.
قام وقف قدامها.
كان الراجل في الصورة لابس زي الإسعاف، وعلى وشه ابتسامة هادية.
أحمد قال بصوت واطي
الله يرحمه.
نيرمين سمعته، وقالت من ورا ضهره
كان نفسي تكون شفته.




