منوعات

قصة بنتي والطبيب الذي أنقذها

سألته:

 

“هل كان شخصًا من المستشفى؟”

 

هز رأسه.

 

“ليس فقط من المستشفى.”

 

ثم نظر نحو غرفة المعيشة حيث كانت أماندا تضحك مع زوجي.

 

وقال:

 

“كان شخصًا قريبًا من عائلتكم.”

 

تجمدت في مكاني.

 

“من؟”

 

وقبل أن يجيب، سمعنا صوت أماندا من خلفنا:

 

“أمي؟ أندرو؟ لماذا أنتما واقفان هنا؟”

 

استدار أندرو بسرعة وأخفى هاتفه.

 

ابتسم وقال:

 

“كنا نتحدث عن الحمل.”

 

ابتسمت أماندا، ثم وضعت يدها على بطنها.

 

لكن عينيها وقعتا على وجه أندرو.

 

وفجأة اختفت ابتسامتها.

 

قالت:

 

“أنت تكذب.”

 

ساد الصمت.

 

اقتربت أماندا منه وقالت:

 

“أعرف هذا الوجه… هذا هو الوجه الذي كنت تضعه عندما اكتشفت شيئًا خطيرًا في تحاليلي.”

 

نظر أندرو إليّ.

 

ثم إلى أماندا.

 

وأدركت في تلك اللحظة أن السر لم يعد قابلًا للاختباء.

 

قال أخيرًا:

 

“أماندا… هناك شيء يجب أن تعرفيه عن مرضك.”

 

لكن قبل أن يكمل، رن هاتفه.

 

نظر إلى الشاشة.

 

تغير وجهه تمامًا.

 

ثم همس:

 

“إنه هو…”

 

سألته أماندا:

 

“من؟”

 

رفع الهاتف أمامنا.

 

كانت هناك رسالة جديدة:

 

“أخبرهم بالحقيقة كاملة يا دكتور… أو سأخبرهم أنا لماذا اخترتَ أماندا بالذات.”

 

توقفت أنفاسنا جميعًا.

 

لأن السؤال لم يعد:

 

من الذي آذى أماندا؟

 

بل أصبح:

 

لماذا تزوجها أندرو أصلًا؟

 

 

ظل الهاتف في يد أندرو، بينما كانت أماندا تحدق فيه بصدمة.

 

قالت:

 

“لماذا اخترتني بالذات؟”

 

لم يجب.

 

اقتربت منه خطوة.

 

“أندرو… أريد الحقيقة.”

 

تنفس ببطء، ثم جلس على الكرسي وكأنه لم يعد قادرًا على الوقوف.

 

وقال:

 

“لأنني كنت أبحث عنك منذ سنوات.”

 

تجمدت أماندا.

 

“ماذا؟”

 

قال:

 

“والدك لم يكن الرجل الذي كنتِ تظنينه.”

 

شعرت بأن قلبي انقبض.

 

زوجي… والد أماندا… كان قد توفي قبل سنوات، ولم أتوقع أن أسمع شيئًا كهذا عنه.

 

أخرج أندرو ملفًا قديمًا من حقيبته.

 

وقال:

 

“قبل أن أتخصص في الطب، كان والدي يعمل في شركة أدوية. اكتشف أن إحدى التجارب الدوائية تُستخدم بطريقة غير قانونية لإخفاء آثار جانبية خطيرة.”

 

فتح الملف.

 

“وعندما حاول كشف الأمر، مات في حادث سيارة.”

 

ثم نظر إلى أماندا.

 

“قبل موته بأيام، أخبرني أن هناك فتاة صغيرة كانت من أوائل ضحايا ذلك الدواء.”

 

سألته أماندا بصوت مرتجف:

 

“أنا؟”

 

أومأ.

 

“كنتِ أنتِ.”

 

وضعت يدها على فمها.

 

تابع:

 

“والدك كان يعرف شيئًا عن الق\ضية، لكنه خاف. وبعد ذلك اختفت الملفات، وأُغلقت الق\ضية.”

قلت:

 

“لكن لماذا لم تخبرنا بكل هذا؟”

 

نظر إليّ بحزن.

 

“لأنني عندما قابلت أماندا للمرة الأولى، لم أكن متأكدًا من هويتها. وعندما تأكدت… كنت قد وقعت في حبها.”

 

أماندا بدأت تبكي.

 

قال:

 

“لكنني لم أتزوجك للانتقام أو للتحقيق. تزوجتك لأنني أحببتك. والشيء الوحيد الذي ندمت عليه هو أنني أخفيت عنك الحقيقة.”

 

ثم أخرج هاتفه مرة أخرى.

 

وقال:

 

“لكن الشخص الذي أرسل هذه الرسائل يعرف أكثر مما أعرف.”

 

في تلك اللحظة رن جرس الباب.

 

ذهب زوجي لفتحه.

 

وبعد ثوانٍ عاد وهو يحمل ظرفًا أبيض.

 

قال:

 

“كان هذا أمام الباب.”

 

فتح أندرو الظرف.

 

كانت بداخله صورة قديمة لي ولزوجي وأماندا عندما كانت طفلة.

 

وعلى ظهر الصورة كُتبت عبارة:

 

“اسألي زوجك عمّن زار المستشفى في الليلة التي مرضت فيها أماندا لأول مرة.”

 

نظرت إلى زوجي.

 

تغير وجهه.

 

قلت:

 

“أنت تعرف شيئًا.”

 

لم يجب.

 

كرر أندرو:

 

“أين كنت في تلك الليلة؟”

 

جلس زوجي ببطء.

 

وبدأ يبكي.

 

ثم قال:

 

“أنا لم أؤذِ أماندا.”

 

تنفست براحة.

 

لكنه تابع:

 

“لكنني عرفت من فعل ذلك.”

 

ساد صمت رهيب.

 

قال:

 

“كانت أختي.”

 

شهقت.

 

“أختك؟”

 

أومأ.

 

“كانت تعمل في الشركة التي صنعت الدواء. وعندما اكتشفت أنني أملك مستندات تثبت التلاعب بالتجارب، هددتني. قالت إنها ستدمر عائلتنا إن تكلمت.”

 

صرخت:

 

“ولهذا تركت ابنتك تعاني؟!”

 

انحنى رأسه.

 

“كنت جبانًا.”

 

أماندا كانت تبكي بصمت.

 

لكن أندرو قال:

 

“انتهى الأمر الآن.”

 

فقد كان قد سلّم كل الملفات والرسائل إلى الشرطة.

 

وبعد أيام، تم القبض على عمة أماندا، واكتُشفت شبكة كاملة كانت تتلاعب بملفات المرضى وتخفي نتائج التجارب الطبية.

 

أما والد أماندا، فقد اعترف بكل شيء أمامها.

 

لم تسامحه في ذلك اليوم.

 

ولم يكن عليها أن تفعل.

 

لكنها قالت له:

 

“أنا لن أسمح لخوفك أن يسرق مني بقية حياتي.”

 

مرت أشهر.

 

وولدت أماندا طفلة جميلة.

 

وفي اليوم الذي خرجت فيه من المستشفى، طلبت مني أن أفتح الستائر.

 

دخل ضوء الشمس إلى الغرفة.

 

قالت وهي تحمل طفلتها:

 

“أمي… أتذكرين عندما كنت أقول إنني أريد أن أرقص دون أن أجلس؟”

 

ابتسمت والدموع في عيني.

 

“نعم.”

 

ضحكت.

 

“اليوم سأرقص.”

 

وفي تلك الليلة، أقيمت حفلة صغيرة في المنزل.

 

حملت أماندا طفلتها، وسلمتها إليّ.

 

ثم مدت يدها إلى أندرو.

 

وبدآ يرقصان.

 

لم تكن هناك ثلاث أغنيات فقط هذه المرة

قصا حتى انتهت الموسيقى.

 

ثم بدأ الجميع بالتصفيق.

 

نظرت إلى حفيدتي بين ذراعي، وفهمت شيئًا لم أنسه أبدًا:

 

أحيانًا لا نستطيع تغيير الماضي…

 

لكن يمكننا أن نقرر ألا نسمح له بسرقة المستقبل.

 

أما أندرو، فقد ظل إلى جانب أماندا.

 

ليس لأنه الطبيب الذي أنقذ حياتها فقط…

 

بل لأنه الرجل الذي اختار، في النهاية، أن يضع الحقيقة فوق خوفه.

 

وعندما سألتني أماندا بعد سنوات إن كنت أكره والدها بسبب ما فعله، قلت لها:

 

“لا يا ابنتي. أنا لا أكره أحدًا. لكنني تعلمت أن الحب الحقيقي لا يعني إخفاء الحقيقة لحماية من نحب… بل امتلاك الشجاعة لمواجهتها معهم.”

 

ثم نظرت إلى حفيدتي وهي تضحك.

 

وعرفت أن كل تلك السنوات من الخوف والبكاء لم تكن نهاية قصتنا.

 

كانت مجرد الطريق الذي أوصلنا إلى هذه اللحظة.

 

النهاية

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى