روايات وقصص

لما كان عمري ٧ سنين

حسنًا.. هل حصلت على الوظيفة؟

لمع في عينيه بريق مرح:

هذا يعتمد.

على ماذا؟

على ما إذا كنتِ ستوافقين على العمل معي مباشرة.

تسارع نبض قلبي:

معك مباشرة؟

أحتاج إلى شخص في فريق الاستراتيجية أستطيع الوثوق به. ربما مرت خمسة عشر سنة، لكنني أعرف أنني أستطيع الوثوق بك.

نظرت إليه. لم أعد أرى المدير التنفيذي فقط، بل رأيت الشاب الذي كان ينظف جروح ركبتي.
قلت من دون تردد:

أوافق.

مد يده رسميًا:

مرحبًا بكِ في غونيش القابضة، المحامية لوسيا هيريرا.
صافحته، ولم تكن تلك المصافحة مهنية فحسب، بل كانت دافئة، قوية ومألوفة. وللحظة اختفت خمسة عشر سنة من الغياب.

لم يكن العمل معه سهلًا. كان إمرة دقيقًا، يسعى إلى الكمال، ويطلب الكثير، لكنه كان عادلًا ولم يُظهر أي امتيازات خاصة.
وفي أحد الأيام، بعد عرض مهم أمام المستثمرين، خرج الفريق للاحتفال.
بقينا وحدنا قليلًا على الشرفة وأضواء المدينة تتلألأ تحتنا.
قال فجأة:

أنا فخور بك.

بسبب المشروع؟

بسبب كل شيء.

صار الصمت أقرب هذه المرة. قال:

لوسيا.. لم أستطع أن أمنع نفسي من التفكير فيما كان سيحدث لو بقيتُ آنذاك.

وأنا أيضًا لم أتوقف عن التفكير بك.

اقترب خطوة:

عندما رأيتك في غرفة المقابلة ذلك اليوم، لم أرَ مرشحة للوظيفة، بل رأيتُ الطفلة التي آمنت بي حين لم يكن لدي شيء.
قلت بهدوء:

لم أعد طفلة.
قال بلطف:

لا.. أنتِ الآن امرأة مدهشة.

صار الهواء أثقل، ثم سأل:

هل يمكنني أن أسألك شيئًا؟ لو كانت تلك الطفلة ذات السبعة أعوام هنا الآن.. هل كانت ستظل تريد الزواج مني؟

ابتسمت:

تلك الطفلة كانت شديدة العناد.
قال مبتسمًا:

أتذكر..
نظرت في عينيه وقلت:

نعم.. كانت ستفعل.

لم تكن علاقتنا سرًا، ومع مرور الوقت أدرك الجميع أننا نعمل بجد ونمت الشركة وفتحت فروعًا جديدة.
وفي أحد أيام الأخذني إمرة إلى إزمير دون أن يخخبرني إلى أين نحن ذاهبان.
حين توقفت السيارة، تعرفت فورًا على الشارع.. بيت طفولتي.
أما البيت المجاور فلم يعد مهجورًا، بل كان قد جُدد.
سألته بدهشة حقيقية:

لماذا؟

ابتسم ابتسامة هادئة لا تحمل سخرية، بل شيئًا دافئًا وعميقًا:

لأن بعض الكلمات لا تُنسى.

ثم مدّ يده إلى جيب سترته، وأخرج علبة صغيرة مخملية.
في تلك اللحظة شعرتُ بأن قلبي بدأ يخفق بسرعة غير طبيعية، وكأن الزمن كله عاد فجأة إلى الوراء.. إلى ساحة البناية القديمة، وإلى الطفلة الصغيرة ذات الضفيرتين.

فتح العلبة ببطء، وكان الخاتم يلمع تحت ضوء الشمس.
قال بصوت هادئ لكنه عميق:

لوسيا هيريرا.. لقد مرّت خمسة عشر سنة منذ أن قُدِّم أول عرض. أعتقد أن دوري قد حان الآن.

ثم ركع على ركبة واحدة أمامي.
لم أسمع شيئًا حولي.. لا صوت السيارات، ولا صوت الريح، ولا حتى صوت أنفاسي. سمعتُ فقط كلماته حين قال:

هل تتزوجينني؟

امتلأت عيناي بالدموع فورًا، وتذكرتُ كل سنوات الطفولة والغياب، وأدركت أن كل ذلك لم يكن عبثًا.
قلتُ بصوت مرتجف:

نعم يا إمرة.. نعم.

وقف فورًا، ووضع الخاتم في إصبعي، كأننا نحاول أن نستعيد سنوات الغياب كلها دفعة واحدة.

كان زفافنا بسيطًا ومليئًا بالدفء في حديقة صغيرة قريبة من منزل طفولتي في إزمير.
كانت الشمس تُميل نحو الغروب، ترسم لونًا ذهبيًا على كل شيء حولنا.
وقفتُ بجانب إمرة، وكانت أمي تبكي أكثر مني وتضحك في الوقت نفسه، وكأنها لا تستطيع أن تصدق أن تلك الطفلة العنيدة أصبحت اليوم عروسًا.
همس إمرة لي وهو يبتسم:

كنتِ على حق منذ البداية.. كنتِ عنيدة.
قلت وأنا أنظر إليه:

ربما كان عناد الطفولة أصدق من حكمة الكبار.
أمسك يدي برفق وقال:

شكرًا لأنك لم تستسلمي.

وشكرًا لأنك عدت.

وحين تبادلنا عهود الزواج، لم تكن مجرد كلمة تقال، بل كانت وعدًا طويلًا، ووصولًا متأخرًا إلى حلم قديم، ودليلًا حيًّا على أن بعض القصص لا تنتهي حين تظن أنها انتهت، بل تنتظر الوقت المناسب لتعود وتزهر من جديد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى