روايات وقصص

امي بعتتني اروح استلف شوية رز

اللحظة دي الدنيا سكتت.
حتى صوت الهوا برا اختفى في وداني.
أمي بصتله كأنها مش سامعة صح
يعني إيه؟
عمرو فتح الكيس اللي كان جوه الرز بإيده وطلع حاجة صغيرة لامعة.
خاتم قديم.
وقال
قبل الحادثة بشهر أبوكي عرف سر كبير سر لو كان اتقال كان هيهدم عيلة كاملة.
أمي سقطت على الكرسي وهي مش قادرة تقف.
وأنا واقف طفل 12 سنة بس حاسس إني داخل فيلم أكبر من عمري بكتير.
عمرو كمل، وصوته بيكسر
أنا كنت السبب إني أبعدكوا عن بعض عشان أحميكي.
ساعتها أمي صرخت
تحميني من إيه؟!
وهو رد بهدوء مرعب
من أبوكي نفسه
وفي اللحظة دي عمرو طلع ورقة تانية من جيبه، وقال
وده اللي كان مخبيه

في الرز مش بس رز ده اعتراف كامل مكتوب بإيده قبل ما يموت بساعات
أمي مدت إيديها تاخد الورقة وإيديها بتترعش لدرجة إنها كادت تقع منها.
وأول ما فتحتها
اتغير شكل وشها تاني مرة.
بس المرة دي مش بكاء.
دي كانت صدمة زي حد اكتشف إن حياته كلها كانت مبنية على كذبة.
وأنا بصيت لهم وقلبي بيدق بجنون
وحسيت إن اللي جاي مش هيكون مجرد سر
ده هيكون بداية انهيار كل اللي نعرفه عن عيلتناأمي كانت ماسكة الورقة بإيدين بتترعش، وعيونها ثابتة عليها كأنها بتحاول تفهم الكلام بالعافية.
عمرو واقف قدامها، ساكت بس ملامحه كانت بتقول إنه استنى اللحظة دي سنين.
أنا قلبي بيدق بسرعة، ومش فاهم
إزاي بابا ما ماتش؟ وإيه الورقة دي؟
فجأة أمي همست وهي بتقرأ بصوت متقطع
أنا أحمد فيا لازم أقول الحقيقة قبل ما أمشي
وسكتت.
رجليها خدت ضعفها، وقعدت على الأرض تاني.
عمرو قال بهدوء
كمّلِي اقري كله.
أمي كملت بصوت مكسور
أنا ما كنتش شريف زي ما الناس فاكرة دخلت في شغل غلط وفلوس مش نظيفة ولما اكتشفتوا الحقيقة، كنتوا هتتأذوا بسببي
سكتت لحظة وبعدين صرخت فجأة
ده مش أبويا اللي أعرفه!
عمرو رد بسرعة
كان أبوكي الحقيقي يا فاطمة بس كان متورط في حاجة أكبر منه.
أنا بصيت لأمي، أول مرة أعرف اسمها كامل كده حسّيت إن كل حاجة حواليا بتتغير.
أمي مسحت دموعها

وقالت بعصبية
ولو الكلام ده صح أنت كنت فين؟ ليه سبته؟ ليه سبتنا كل السنين دي فقرا؟!
عمرو اتنهد جامد، وقعد قدامها لأول مرة
لأن لو كنتوا فضلتم معاه كان زمانكم ميتين.
سكتنا كلنا.
حتى النفس كان تقيل.
وبعدين طلع حاجة تانية من جيبه مفتاح قديم جدًا.
وقال
أبوك قبل ما يختفي، ساب وديعة مكانها في بيت قديم بره البلد وكتب في الرسالة إنكم لازم تروحو هناك بس بعد ما تبقوا جاهزين.
أمي بصتله بصدمة
وديعة؟ بيت إيه؟ وإيه اللي مستخبي هناك؟
عمرو رد بهدوء غريب
حاجة لو اتفتحت بدري كانت هتخلي ناس كتير تدور عليكم لحد ما يخلصوا عليكم.
أنا حسّيت بقشعريرة.
أمي قامت بسرعة وقالت
أنا مش عايزة حاجة من حد! إحنا عشنا سنين من غيره!
لكن عمرو وقف وقال الجملة اللي سكتت الكل
بس اللي مستخبي في البيت ده مش فلوس بس يا فاطمة ده دليل يغيّر كل حاجة ويثبت إن أبوكي ما ماتش صدفة زي ما قالوا.
ساعتها أمي سكتت.
القرار كان باين في عينيها حتى قبل ما تتكلم.
خدت نفس طويل وقالت
إمتى نروح؟
عمرو رد
بكره الفجر.
وأنا واقف بينهم، حاسس إن حياتي اللي كنت فاكرها بسيطة انتهت.
وإن بكرة إحنا مش رايحين نشوف سر عادي
إحنا رايحين نفتح باب ممكن يطلع منه الحقيقة أو يدفننا إحنا كمان في ليلة ما قبل السفر، البيت ما نامش.
أمي قاعدة قدام الشوال الفاضي،

اللي كان مليان رز، كأنها بتبص عليه مش شايفاه شايفة حاجة تانية خالص.
أنا قاعد في الركن، ساكت، وكل شوية أسأل نفسي
هو أنا داخل على إيه؟
عمرو كان برّه، بيجهز الحاجة في صمت أول مرة أشوفه مش بيبص في عيني حد.
قبل الفجر بساعتين، أمي قامت فجأة.
لبست عباية بسيطة، ولمّت شعرها بسرعة، وقالت بصوت حاسم
يلا.
ركبنا عربية نقل قديمة مع عمرو.
الطريق كان طويل، والجو ساكت بشكل يخوّف.
كل ما نبعد عن البلد، كان في إحساس إننا بنسيب حياتنا القديمة ورا ضهرنا.
بعد ساعات، وصلنا لبيت قديم في أطراف أرض زراعية.
بيت شكله مهجور جدرانه باينة عليها السنين، وبابه حديد صدئ.
عمرو وقف قدامه وقال
هنا.
أمي بصت له
أبويا كان سايب هنا إيه بالظبط؟
عمرو رد
مش أنا اللي أقول هو اللي ساب الإجابة جوا.
طلع المفتاح القديم اللي شفته قبل كده، وفتحه بإيده ببطء.
صوت الباب وهو بيتفتح كان زي صرخة معدن صدئ.
البيت من جوه كان غريب مفيهوش أثاث تقريبًا، بس في نص الصالة كان في صندوق حديد كبير متثبت في الأرض.
أمي وقفت مكانها.
ده إيه؟
عمرو قرب وقال
الوديعة.
سكت لحظة، وبعدين أضاف
واللي جواه كان أبوكي خايف منه لدرجة إنه كتب الرسالة قبل ما يموت بيوم واحد بس.
أمي قربت، وإيديها بترتعش وهي بتحط إيديها على الصندوق.
مفتاحه فين؟
عمرو طلع مفتاح

صغير من جيبه واداه لها.
لكن قبل ما تفتحه، سمعنا صوت حاجة برا.
خطوات.
مش خطوة واحدة لا أكتر.
أمي جمدت.
أنا بصيت من الشباك المكسور وقلبي وقع.
3 عربيات واقفين برّه.
ورجالة نازلين منها.
وشهم مش مطمّن.
عمرو همس بسرعة
اتأخرنا
أمي بصت له
مين دول؟!
عمرو رد بصوت واطي جدًا
اللي أبوكي كان بيهرب منهم طول عمره
وفجأة خبطة جامدة على الباب.
واحد بيزعق برّه
افتحوا الباب وإلا البيت كله هيتقلب فوق دماغكم!
أمي بصت للصندوق وبعدين ليّ.
وفي ثانية واحدة بس، فهمنا إننا مش قدام مجرد سر
إحنا قدام ناس مستنية اللحظة دي من سنين
والصندوق ده لو اتفتح دلوقتي ممكن يخلّي محدش فينا يطلع من هنا حيالضربة على الباب زادت المرة دي كانت أقوى، كأنهم هيكسروا الحديد نفسه.
أمي بصت للصندوق وبعدين لعمرو وبعدين ليّا.
والصمت اللي في عينيها كان أخطر من أي صريخ.
قالت بهدوء غريب
لو فتحته دلوقتي هنموت؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى