عام

روحت لدكتورة نِسا

وفي اللحظة دي وصلت الإسعاف. المسعفين نزلوا بسرعة والناس بدأت تبعد حوالينا. كنت بصرخ من الألم وجسمي كله بيرتعش. واحد من المسعفين حاول يساعدني أقف، لكني مسكت فيه بقوة وقلت وسط دموعي
أرجوك ما تسيبهمش ياخدوا ابني.
بصلي باستغراب
مين؟
لكن قبل ما أرد حماتي قربت بسرعة وقالت بابتسامة مصطنعة
هي متوترة بس إحنا أهلها.
جوزي لفّ ناحيتها بعصبية لأول مرة
كفاية. بصتله بصدمة.
أما أنا فكنت ببصله ومش فاهمة؛ هو معايا؟ ولا لسه بيكدب؟ المسعفين دخلوني الإسعاف بسرعة وجوزي حاول يطلع ورايا لكنّي صرخت
لا!
وقف مكانه والوجع في عينه كان واضح بشكل غريب. لكن رغم كل اللي حصل لسه ماكنتش قادرة أثق فيه. باب الإسعاف اتقفل والعربية اتحركت. آخر حاجة شفتها قبل ما الباب يتقفل كانت حماته، واقفة في الشارع وعينيها كلها غضب… مش خوف، غضب، كأن خطتها بتضيع منها.

وصلنا المستشفى بسرعة. الأطباء خدوني فورًا على أوضة الولادة. الدنيا حواليّا كانت مشوشة؛ أصوات، نور أبيض، ناس بتجري. لكن وسط كل ده كنت مركزة على حاجة واحدة بس ابني. فضلت أكرر للدكتورة
ما تسيبوش حد ياخده.
كانت بتحاول تهديني
اهدي إنتِ والبيبي أهم حاجة دلوقتي.
لكن قلبي كان حاسس إن الخطر لسه ما خلصش. بعد وقت مش عارفة قد إيه سمعت صوت دوشة برا الأوضة، أصوات عالية، وبعدين صوت جوزي كان بيتخانق مع حد؛ سمعته بيقول بعصبية
مش هتاخدوه.
أما الصوت التاني فكان صوت أمه
إنت فقدت عقلك؟!
قلبي بدأ يدق برعب. الدكتورة بصت للممرضة بتوتر وقالت
اقفلي الباب.

لكن بعد ثواني الباب اتفتح بالقوة. حماتي دخلت ووشها كان متغير بالكامل؛ لا هدوء ولا ابتسامات، كانت مرعبة. صرخت
الطفل ده لازم يطلع حالًا!
الدكاترة اتصدموا. أما أنا فحميت بطني بخوف. وجوزي دخل وراها بسرعة وهو بيشدها
اطلعي برا!
لكنها زعقت فيه
إنت مش فاهم! لو العلاج اتأخر !
الصمت وقع للحظة وكل الموجودين بصوا لبعض بعدم فهم. أما أنا ففهمت أخيرًا؛ هي ماكانتش خايفة عليا في يوم من الأيام، هي كانت فعلًا بتموت دلوقتي، وعشان كده كانوا مستعجلين الولادة.
حماتي بدأت تعيط لأول مرة
أنا ربيتك لوحدي بعد كل ده هتسيبني

؟!
جوزي كان واقف منهار. واضح إنه بيتقطع من جواه بين أمه، وبيني أنا وابنه. أما أنا فغمضت عيني لحظة وافتكرت كل حاجة؛ ضحكته، اهتمامه، خوفه لما هربت، خوفه على أمه. يمكن البداية كانت كدبة لكن مشاعره في الآخر كانت حقيقية.
وفجأة صرخت والدكتورة قالت
الولادة بدأت!
الدنيا اتحولت لفوضى تانية؛ الممرضات اتحركوا بسرعة والدكاترة طلبوا تجهيزات. أما حماتي فكانت بتبصلي كأن حياتها معلقة بيا. وفي وسط الألم بصّيت لجوزي؛ كان واقف بعيد وعينه مليانة دموع لأول مرة، همس بصوت خافت
أنا آسف.

واللهجة دي كانت أصدق حاجة قالهالي من يوم عرفته.
بعد ساعات طويلة سمعت أخيرًا صوت بكاء طفل صغير. الصوت اللي كنت مستنياه طول شهور. دموعي نزلت فورًا. الدكتورة ابتسمت وقالت
مبروك ولد.
قلبي اتملّى بحب عمري ما حسيت بيه. لكن الفرحة ما كملتش، لأن أول ما الطفل اتلف في البطانية حماتي قربت بخطوات سريعة. لكن قبل ما تمد إيدها جوزي وقف قدامها وقال بحزم
لأ.
بصتله بصدمة
إنت بتمنعني؟!
رد بصوت ثابت
انتهى.

الصمت نزل على الأوضة كلها. أما هو فلف ناحيتي وقرب مني ببطء وشال الطفل وحطه بين إيديا وقال وهو بيبكي
ده ابنك ومحدش هياخده منك.
في اللحظة دي حماتي انهارت على الكرسي وهي بتعيط، مش من الحزن لكن لأنها فهمت إن كل حاجة خلصت.
بعدها بأيام الحقيقة كلها ظهرت؛ البرنامج الطبي اتقفل واتفتح تحقيق كبير وطلع إن فيه ستات كتير اتعرضوا لنفس الخداع. أما جوزي فقد شغله ورخصته ودخل تحقيقات طويلة. لكن قبل ما يخرج من البيت آخر مرة وقف عند الباب وبصلي وقال
أنا استاهل الكره بس والله حبيتك.

ما رديتش، لأن قلبي وقتها كان مليان وجع أكتر من أي كلام.
بعد شهور كنت قاعدة في ابني بالليل، ببصله وهو نايم بهدوء وأول مرة أحس إني بأمان فعلًا. لكن قبل ما أطفي النور وصلتلي رسالة من رقم غريب، فتحتها بتردد وكان مكتوب فيها
لو عرفتي الحقيقة الكاملة عن سبب اختيارك إنتِ بالذات… عمرك ما هتنامي مرتاحة تاني.

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى