
— بابا قال… أول ما يسافروا، هياخدني مكان محدش يعرف يلاقيني فيه.
مسكت الهدية بقوة لدرجة إن صوابعي وجعتني.
في أقل من خمس دقايق…
الراجل اللي كنت فاكرة إنه أحن وأخلص إنسان في الدنيا، اتحول قدامي لشخص تاني خالص.
ساعتها مدت أم حسن إيديها وطلعت حاجة من جيب المريلة.
وقالت:
— ولقيت ده كمان تحت كرسي العربية بتاعته قبل ما يمشي.
حطت في كفّي كارت ميموري صغير جدًا.
وقتها حسيت إن اللي جاي… مختلف بكتير عن أي حاجة كنت متخيلاها.
مديت إيدي وخدت كارت الميموري، وصوابعي بتترعش. بصيت لأم حسن بعيون تمليها حيرة وتساؤل، وقلت بصوت هادئ:
— تعالي معايا على المكتب… بسرعة.
دخلنا وقفلنا الباب. حطيت الكارت في اللابتوب بتاعي، وقلبي كان بيدق بسرعة. ثواني وظهرت الملفات:
فيديوهات صوت وصورة من كاميرات مراقبة مخفية زرعها كريم جوه أوضة النوم والمكتب، وتسجيلات مكالمات صوتية واضحة.
شغلت أول تسجيل، وسمعت صوت كريم بيكلم أمه بثقة:
— اطمني يا أمي، كل حاجة ماشية زي ما خططنا. الشركة باسمها والتوكيلات العامة في جيبي من زمان، وكل اللي محتاجينه نخلص السفرية بهدوء.. وكل الأمور هترتيب بالشكل المناسب. وموضوع الواد آدم؟ ده كان موضوع عائلي خوفناه بيه عشان يفضل ساكت وما يعترضش، والكل مفكر إنه مش عايز يتكلم.
الصوت كان صادم. بصيت لآدم اللي كان قاعد بيبكي بصمت في حضن أم حسن، ودموعي نزلت على خدي. ابني اتحمل سبع سنوات من الضغط النفسي عشان يحميني، وحماتي اللي كانت بتدعي الدعم والمحبة، طلعت مشاركة في التخطيط لكل ده.
لكن ياسمين الشاذلي، بنت العز والشركة الكبيرة، مكنتش الست الضعيفة اللي يستفردوا بيها.
رفعت التليفون واتصلت برجل القانون الوحيد اللي أثق فيه، المستشار حاتم، صديق أبويا القديم. في أقل من ساعة، كان في الفيلا ومعاه خبير رقمي وبعض المعاونين. استلم كارت الميموري ونسخ الملفات كلها، وخد الهدية عشان تتفحص بدقة.
المستشار حاتم بص لي بجدية وقال:
— الموضوع انتهى يا ياسمين، بس لازم نلعبها بذكاء. هم سافروا الغردقة وفاكرين إنهم ضامنين الخطة. لو تحركنا ضدهم دلوقتي برة المحافظة، ممكن محاميهم يطلع ثغرة. سيبيهم يرجعوا… وهم راجعين هيكون في استقبالهم مفاجأة تانية خالص.
بعد تلات أيام، وصلني اتصال من كريم، صوته كان كله حنان مزيف:
— حبيبتي يا ياسمين، خلصت الاجتماعات وبدأت راجع على القاهرة. وحشتيني أنتِ وآدم. طمنيني، كل الأمور ماشية زي ما وصيتك؟
ابتسمت ببرود لأول مرة في حياتي، وطلعت صوتي هادي وثابت:
— تيتو حبيبي… راجعة امتى؟ البيت في انتظارك، وكل حاجة… مستنياك.
قفل السكة، وهو مش عارف إن الجهات المختصة كانت واقفة في الصالون بتسمع المكالمة، وإن الفحص أثبت وجود مستندات وأوراق تثبت محاولة الاستيلاء على الممتلكات بطرق غير مشروعة.
يوم الوصول بالليل.
العربية بتاعت كريم دخلت من بوابة الفيلا، ونزل ومعاه حماتي مدام فايزة، وواضح على وشهم ابتسامة الثقة. فتح الباب ودخل وهو بيقول بصوت عالي:
— ياسمين! أنا جيت…
سكتت الكلمات في بقه فجأة لما لقى الصالون مش ضلمة زي ما متعود… بالعكس، الصالون كان مليان. المستشار حاتم قاعد على الكرسي الكبير، ومعاه المعاونين، وأم حسن واقفة ماسكة إيد آدم اللي كان باصص لأبوه بعيون كلها ثقة وقوة.
كريم بلع ريقه بصعوبة، ووشه اصفر، وبص لأمه اللي كانت متفاجئة تماماً. حاول يتكلم ويصطنع البراءة:
— إيه… إيه ده يا ياسمين؟ فيه إيه يا جماعة؟ ملمومين كده ليه؟
قمت من مكاني، ووقفت قصاده بكل طولى وعنفوان. طلعت الهدية من جيبي وحطيتها على الطرابيزة قدامه، وطلبت من المسؤولين اتخاذ الإجراءات اللازمة.
بصيت له نظرة أخيرة وقلت بهمس ترددت أصدائه في الجدران:
— كنت مفكر إنك بتلعب لوحدك يا كريم… بس نسيت إن اللي بتلعب معاه هي بنت الراجل اللي أسس الإمبراطورية دي، وأم لولد صغير عرف يواجه الحقيقة لما الكل سكت.
قبل ما يفتح بقه بكلمة واحدة، كان المسؤولون بيسحبوه هو وأمه بره الفيلا، في طريقهم لنهاية ما كانوش يحلموا بيها أبداً.
بصيت لآدم، لقيته بيبتسم لي لأول مرة ضحكة حقيقية صافية من غير خوف. قربت منه، حضنته بكل قوتي، وهمست في ودنه:
— حقك رجع يا حبيبي… ومحدش في الدنيا يقدر يخوفنا تاني أببدًا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



