عام

سر عمتي

​أبويا نده عليا عشان أخرج، وخرجت وأنا لابسة عباية سودا وطرحة، وشي كان أصفر وزي الأموات. عادل بصلي بضحكة صفرا مستفزة وقال: “منورة يا عروسة.. فكّي الخشب ده بقى، ده إحنا دافنينه سوا! وعمتي قالتلي إنك كنتي عايزة تشتغلي؟ هههه.. شغل إيه يا قطة؟ أنا راجلي ميمشيش مراته في وسط الرجالة، إنتي هتقعدي في بيتي تخدميني وتخدمي أمي، ورجلك دي عتبة الباب مش هتعتبها.. والشهادة الكبيرة بتاعتك دي بليها واشربي ميتها، أو علقيها في المطبخ عشان تفتكري أيام الفضاوة!”

​كلامه كان بيستفز كل ذرة كرامة

جوايا.. كنت عايزة أقوم أجيبه من شعره وأطرده برة، بس بصيت لأبويا اللي كان قاعد منكس راسه في الأرض ووشه جايب ألوان من الكسرة والخوف.. كتمت غيظي وقهرتي وسكت، وحسيت إن روحي بتتسحب مني.
​في نفس الأسبوع، اتصلت بيا الشؤون القانونية والموارد البشرية في الشركة الكبيرة، عشان أروح أمضي العقد وأستلم الشغل. كلمتني الموظفة بأسلوب راقي جداً وقالتلي: “أستاذة زهرة، إحنا مستنيينك يوم الأحد الساعة 9 الصبح عشان تبدأي التدريب وتستلمي مكتبك.. ألف مبروك، الشركة فخورة بوجود حد بكفاءتك معنا.”

​قفلت الخط وأنا بموت.. يوم الأحد ده هو نفس اليوم اللي عمتي حددته عشان نكتب الكتاب فيه! كتب كتاب عادل الصايع! كانت مؤامرة من عمتي عشان تقفل عليا كل الأبواب ومتسيبليش فرصة أهرب أو أروح الشغل.

​يوم السبت بالليل، كانت الشقة مقلوبة.. عمتي جايبة قرايبها والستات وصوت الزغاريط طالع، بس الزغاريط دي كانت في ودني زي صوت صراخ في مأتم.. مأتم حلمي وشبابي. دخلت عليا عمتي الأوضة وأنا قاعدة على السرير زي الصنم، وبصتلي بلؤم وقالت: “وشك فقر ليه يا بت؟ افرحي.. ده عادل ابني ألف ست تتمناه، وهيستر عليكي.. وبكره تدعيلي لما تخلفي وتنسي كلام المكاتب والشركات اللي كان هيبوظ أخلاقك.”

​بصيتلها وقولت بصوت طالع من قاع بيري: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا عمتي.. ربنا مش هيسيب حقي.. لا منك ولا من ابنك.”

ضحكت ببرود وقالت: “ادعي يا حبيبتي.. الدعا مش بيفك عقود البيع والشراء اللي في جيبي! بكره كتاب كتابك، ورجلك هتتلم.. وعبد الرحمن أخويا هيفضل في بيته مستور..

وأنتي تمن الستر ده!”
​خرجت وسابتني في ناري.. قعدت أفكر.. هل هسلم رقبتي للسكينة بالسهولة دي؟ هل هسيب تعب سنيني يروح في الأرض وأعيش طول عمري جارية تحت رجل عادل ولامه الحرباية؟ لا.. أنا لازم أتصرف.. لازم يكون في حل!

​فتحت موبايلي بالليل والكل نايم، ودخلت على صفحة مستشار قانوني كبير في المحافظة بتاعتنا، كنت عارفاة من النت وبيقدم استشارات مجانية للحالات الإنسانية. بعتله رسالة طويلة عريضة حكيتله فيها كل حاجة.. قصة الورث، وتهديد عمتي لأبويا بعقود البيع والشراء، وإني مجبرة على الجواز عشان البيت، وحكاية الشغل اللي هيروح مني بكره الصبح.

​نمش والدموع في عيني، وصحيت الفجر على رنة مسج.. فتحت الموبايل ولقيت رد المستشار القانوني، وكلامه كان طاقة النور اللي فتحتلي باب الأمل من جديد!

المستشار كتبلي: “يا بنتي، عقود البيع والشراء اللي أبوكي بيقول عليها، لو كانت تمت في حياة جدك وما دفعش فيها عادل أو أمه تمن حقيقي، ولو كانت الوصية دي الغرض منها حرمان الورثة الشرعيين، فدي في القانون اسمها (عقود صورية) وبتتنقض في المحكمة فوراً! والأخطر من كده، لو العقود دي متمش تسجيلها في الشهر العقاري بشكل نهائي، فملهاش قيمة قصاد إعلام الوراثة الشرعي. قولي لوالدك يروح فوراً لمحامي، ومتوافقيش على الجواز ده.. الجواز بالإكراه باطل، ومتضيعيش مستقبلك.. تعالي شركتك الصبح واستلمي شغلك، ومحدش يقدر يلمسك.”

​لما قريت الرسالة دي، جسمي كله اتنفض.. الأمل رجع في عروقي تاني! قومت بسرعة غسلت وشي، ولبست أحسن طقم عندي للشغل، وحطيت ورق شهاداتي

في الشنطة.. الساعة كانت 7 الصبح.
​خرجت الصالة ولقيت أبويا قاعد بيشرب شاي ووشه كله هموم.. وقفت قدامه بكل قوة وعزم، وقولتله: “صباح الخير يا بابا.. أنا رايحة استلم شغلي.”

أبويا وقف مخضوض: “شغل إيه يا بنتي؟! أنتي اتجننتي؟ عمتك جاية بالمأذون وعادل الساعة 12 الظهر! لو مشيتي هتهد البيت علينا!”

​قربت من أبويا ومسكت إيديه وقولتله بنبرة واثقة: “مش هتهد حاجة يابا.. عمتك بتخوفك بالباطل.. العقود اللي معاها دي عقود صورية وملهاش قيمة في القانون لأن مفيهاش دفع فلوس، ودي محاولة للنصب عشان تاخد حقنا.. أنا كلمت مستشار قانوني كبير وقالي الكلام ده.. إحنا لو سكتنا هنضيع، وأنا مش هكون الضحية.. أنا رايحة شغلي، وأنت امسك نفسك ومتمضيش على حاجة لحد ما أرجعلك ومعايا المحامي.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى