
في تلك اللحظة، وانكــ,ساري ممتد على أرض الممر، شعرت بشيء غريب يسكن صدري. حرارة الوجع في ركبتي انتقلت لقلبي، لكنها لم تعد تحرقه، بل جمدته. نظرت إلى الطوبة التي كانت ملقاة بجانبي، نفس الطوبة التي غرسها منصور في عظمي، سحبتها بيدي المرتعشة وأخفيتها تحت جلبابي. لم تكن مجرد حجر، كانت أول قطعة في بناء .
دخلت في الطابق العلوي بصعوبة، أغلقت الباب بالمفتاح، ولم . جلست على الأرض، وربطت ركبتي بقطعة قماش مغموسة بالخل والماء البارد، وعيني مثبتة على
الفراغ. كان عقلي يعمل كآلة حاسبة دقيقة.
خطة رد الصاع
بدأت هناء تزداد جبروتاً، ظنت أن كسرة ركبتي هي نهاية مطافي. وفي صباح اليوم التالي، صعدت إليّ وهي تتمايل بدلال، تطلب مني غسل سجاد غرفتها لأنها تعبت من الوقفة مع منصور في الورشة.
نظرة التحدي لم أنظر إليها بضعف كما اعتادت، بل ابتسمت وقلت من عيوني يا هناء، ده إنتي ست البيت.
زرع الشك بدأتُ ألعب على الوتر الحساس بينها وبين أمها. كنت أهسس في أذن حماتي بأن هناء تسرق من أموال منصور لتعطيها لشاب من المنطقة، وأقول لهناء إن أمها تنوي تزويجها لغريب لتستولي على نصيبها في البيت والورشة.
ليلة الانهيار
في المساء، والبيت هادئ كهدوء ما قبل العاصفة، كان منصور في ورشته تحت البيت. نزلتُ إليه بخطوات ثقيلة، لكن عيني كانت تلمع بذكاء لم يعهده فيّ. قلت له بصوت منخفض يا منصور، السمعة غالية.. وأختك هناء بتكسر هيبتك في المنطقة.
جن جنونه، انتي بتقولي إيه يا عيبة؟ وهو يرفع يده مجدداً.
لم أتراجع، بل قلت ببرود روح افتح دولابها، هتلاقي ورق ومكاتيب لشخص إنت عارفه كويس.. الشخص اللي بينافسك في السوق.
بالطبع لم يكن هناك ورق، كنت قد وضعت فواتير قديمة ومبالغ مالية سرقتها من درج المكتب الخاص به ووضعتها في غرفتها بطريقة توحي بأنها عربون .
انطلق منصور كالثور الهائج نحو الأعلى، وصراخ حماتي بدأ سماء البيت وهي تحاول الدفاع عن ابنتها، بينما منصور يرى بعينيه الأدلة التي زرعتها بعناية. وقفلتُ أنا باب غرفتي، وجلستُ أستمع لصوت تكسير الأثاث وصــ,راخ التي بدأت تذوق من نفس الكأس.
نظرتُ إلى ركبتي التي ما زالت تؤلمني، وهمستُ لنفسي لسه يا منصور.. ده إنت رميت طوبة،
لكن أنا السقف كله فوق رؤوسكم.
صوت
في الطابق الأسفل كان يطرب أذني كأنه معزوفة نصر. منصور الذي كان يرى نفسه سيد المكان، صار الآن كفاً بكف وهو يرى هناء التي كانت تاج رأسه متهمة في أعز ما يملك ماله وهيبته في السوق.
حماتي كانت خديها، ليس حزناً على ابنتها، بل رعباً من ضياع القرشين اللي منصور شــ,قي فيهم. دخلتُ عليهم المطبخ ، سحبتُ كرسيّاً وجلستُ، وركبتي المضمودة ممدودة أمامي كشاهد إثبات.
قلتُ بنبرة هادئة جرى إيه يا جماعة؟ صوتكم جاب آخر الشارع.. الفـ,ضايح وحشة، والناس بدأت تتلمّ على باب البيت.
القشة التي قصمت ظهر البعير
التفت إليّ منصور وعيونه حمراء كالجمر، وكأنه يبحث عن فريسة يفرغ فيها غله. إنتي السبب! إنتي اللي فتحتي عيني على اللي بيحصل!
ابتسمتُ بمرارة وقلت أنا مجرد عيبة يا منصور، زي ما قلت.. والعيبة مبتكدبش. بس اللي يوجع بجد إن أختك باعت أسرار ورشتك للمنافس بتاعك، المعلم شداد. الورق اللي في إيدها ده فيه حسابات الزبائن والخصومات اللي إنت بتعملها.
طبعاً، كنت قد بدلت الفواتير بأوراق حسابات قديمة سرقتها من مكتبه وأضفت عليها أرقاماً وهمية بخط يدي، موهمة إياه أن هناء كانت تنقل هذه المعلومات ل شداد مقابل مبالغ كانت تخفيها في مرتبتها.
لم ينتظر منصور حرفاً آخر. نزل إلى ورشته كالمجنون، وبدأ يطرد العمال ويصرخ في وجه كل من يقابله. الشك سكن قلبه، والشك في قلب الجبار هو بداية نهايته.
عزلة حماتي أما حماتي، فقد انزوت في ركن الغرفة، تنظر لابنتها هناء التي كانت تبكي بحرقة وتقسم أنها بريئة. نظرتُ لحماتي وقلتُ لها مش قلتي يا حاجة إن اللي ملهومش عازة لازم يغوروا؟ أهي بنتك دلوقتي بقت هي اللي ملهاش عازة في نظر ابنك.
ليلة
الحساب المريرة
في تلك الليلة، كان منصور جالساً في الورشة وحيداً وسط الحديد والزيت، يشرب السجائر بشراهة. نزلتُ إليه، لكن هذه المرة لم أكن خائفة. وقفتُ بعيداً عن متناول يده وقلتُ له الناس في المنطقة بيقولوا إنك مش قادر تحكم بيتك.. وإن أختك مشيت كلامها عليك.
وقف منصور، وكان جسده يهتز من الغضب المكبوت. عايزة إيه يا هناء؟ نطق اسمي بغلطة لسان من كتر التشتت.
قلت له عايزة حقي. الطوبة اللي رمتها على ركبتي دي، كسرها مش هيدوي إلا لما أشوف البيت ده بيتطهر من اللي بيوقعوا بينا.
كنت أعلم أن منصور شخص مندفع، واللعب على رجولته الجريحة هو أقصر طريق . بدأ يشك حتى في أمه، ظناً منها أنها كانت تخفي عنه أفعال هناء.
المفاجأة الصاد,مة
بينما نحن نتحدث، اقتحم المعلم شداد الورشة مع رجاله، ليس بدافع المؤامرة، بل لأنني أرسلت له رسالة مجهولة باسم منصور يسبه فيها ويتحداه أن يقترب من حدود الورشة.
بدأت المشــ,اجرة الكبرى..
الحديد بالحديد، وصراخ الرجال ملأ الممر. وقفتُ أنا بعيداً، أنظر إلى المشهد بذهول مصطنع، بينما كان منصور يتلقى ضــ,ربات موجعة من رجال شداد، والورشة التي كان يفتخر بها بدأت تتحــ,طم أمام عينيه.
حماتي وهناء وقفتا في الشرفة يا لهوي.. يا خراب بيتنا!
نظرتُ إليهما ورفعتُ يدي بعلامة النصر الخفية، وقلتُ في سري دي مجرد البداية.. الوجع الحقيقي لسه مجاش.
منصور الآن ملقىً وسط حطام ورشته، وخسارته المالية.. وحماتي فقدت السـ,يطرة على ابنها الذي بدأ يرى الجميع أعــ,داءً له.
حكايات رومانى مكرم




