
عمل. في شركتي. وظيفة حقيقية. براتب مناسب. بساعات ثابتة. وتأمين صحي كامل.
سكتت لحظة.
كانت الكلمات ثقيلة عليها كأنها لا تريد أن تصدقها.
رفضت في البداية.
ليس عنادا بل خوفا.
كان الخوف من الدين أكبر من الخوف من المرض.
كبرت وهي تؤمن أن من يأخذ يظل مدينا.
لا أريد أن أكون مدينة لأحد.
ابتسم ابتسامة خفيفة خالية من الاستعلاء.
لن تكوني مدينة. هذا ليس معروفا. إنه عرض عمل. ثلاثة أشهر تجربة. إن لم يعجبك الوضع تنتهين بلا التزام.
نظرت إليه طويلا.
ثم نظرت إلي.
ثم إلى ماتيو النائم.
وافقت.
منذ اليوم الأول دخلت أمي الشركة كما تدخل أي مكان برأس مرفوع.
لم تكن معتادة على المكاتب الواسعة ولا على القاعات الزجاجية ولا على الاجتماعات التي تدار بالأرقام والجداول.
لكنها كانت معتادة على النظام.
على الاجتهاد.
على أن تفعل الشيء كما يجب.
نظمت الملفات التي كانت مبعثرة كما لو أنها ترتب فوضى سنوات كاملة لا أوراقا فحسب.
جلست في الأسبوع الأول ساعات إضافية تقرأ وتراجع وتدون ملاحظاتها في دفتر صغير تحمله معها.
لم تتصرف كموظفة جديدة تخشى أن تخطئ بل كامرأة اعتادت أن تتحمل المسؤولية حتى لو لم يطلبها أحد.
أنشأت نظام أرشفة واضحا لا يعتمد على الذاكرة ولا على المزاج بل على ترتيب دقيق يجعل أي ملف يستخرج في دقائق.
اقترحت تحسينات في أسلوب توزيع المهام فخف الضغط عن بعض الأقسام وانتظم العمل في أخرى.
راجعت العقود القديمة فاكتشفت بنودا تهدر المال دون انتباه.
قللت الهدر.
رفعت الإنتاجية.
وجعلت الموظفين يشعرون أن هناك من يرى التفاصيل الصغيرة التي يتجاهلها الجميع.
لم تكن تغييرات صاخبة.
لم تعقد اجتماعات استعراضية ولم تتباه بما تفعل.
كانت تغييرات هادئة لكنها فعالة.
كالماء الذي ينحت الصخر بصمت.
شيئا فشيئا بدأ الموظفون يحترمونها.
في البداية كانوا ينادونها بتحفظ ويتبادلون النظرات خلف ظهرها.
لكن حين لمسوا النتائج تغير الصوت وتغيرت النظرة.
لم يكن احترامهم لأنها زوجة المدير فهي لم تكن كذلك بعد
ولا لأنها قريبة منه
بل لأنها تستحق.
كانت تصل قبل موعدها بعشر دقائق وتغادر بعد أن تتأكد أن كل شيء يسير كما ينبغي.
كانت تبتسم للحارس وتشكر عاملة النظافة وتستمع للموظف المتدرب كما تستمع لمدير القسم.
أما أليخاندرو فكان يراقبها من بعيد.
لم يكن ينظر إليها بعين الشفقة
ولا بعين الإحسان
ولا حتى بعين الإعجاب السطحي.
كان ينظر إليها بإعجاب حقيقي عميق نابع من تقدير.
إعجاب بامرأة لم تسمح للفقر أن يسرق كرامتها.
ولا للتعب أن يسلبها طموحها.
ولا لرفضها الأول أن يخلق بينهما حاجزا من الكبرياء.
كان يراها وهي تناقش الأرقام بثقة
وتختلف معه دون خوف
وتعتذر إن أخطأت دون أن تنكسر.
شيئا فشيئا تحول الاحترام إلى اهتمام.
والاهتمام إلى مودة.
لم يكن حبا مفاجئا
ولا قصة عاطفية سريعة تبنى على اللحظة.
لم تكن هناك وعود تحت المطر
ولا اعترافات درامية على شرفات مضاءة.
كان حبا هادئا.
ناضجا.
يولد من التقدير وينمو من الثقة.
كان يسألها عن رأيها في القرارات الكبرى.
لا مجاملة بل قناعة بأن رأيها مهم.
كانت تناقشه بثقة أحيانا تخالفه وأحيانا تقنعه.
وكان يستمع لا ليجيب بل ليفهم.
ومع الوقت صار بينهما حوار يتجاوز العمل.
حديث عن الكتب التي تحبها
عن طفولتهما المختلفة
عن الخسارات التي مرا بها.
عن لوسيا




