عام

قصة قصيرة بعنوان النجاة

اقترب حتى صارت شفاهه على بعد سنتيمترات من أذني ورائحة أنفاسه خليط من اللبن الدافئ وبراءة الطفولة الصافية.
تيتا قالت لازم تشربي كله همس بالكاد يسمع وسط طنين الأجهزة.
قالت لو شربتي ده هتنامي على طول. وساعتها بابا هيجيب مامي الحقيقة.
لم يتوقف الزمن بل تحطم إلى شظـ,ـايا حـ,ـادة.
الكلمات ظلت معلقة في الهواء ثقيلة مطلقة وبشعة.
هتنامي على طول.

بابا هيجيب مامي.
دق قلبي بعنف على أضلاعي المكسورة كطائر محبوس ونسيت ألم إصابتي لأنني واجهت ألما أبرد أعمق أشد رعبا. عقلي المثقل بالمسكنات اشتعل فجأة بوضوح مرعب يربط نقاطا لم أكن أعلم بوجودها.
فشل الفرامل الغامض.
برود ديفيد المفاجئ.
إصرار مارثا الملح على إدارة شؤوننا المالية وأنا طريحة الفـ,ـراش.
الحادث لم يكن حادـ,ـثا.
وغرفة المستشفى لم تكن ملاذا بل غرفة قتل.
ومنفذو الإعدام عائلتي.
تجمدت. الكوب يرتعش في يدي.
غرائزي تصرخ أن أرميه أن أصرخ أن أستدعي الممرضة.

لكن عقلي الأبردذلك المدرب لسنوات كمحاميةهو الذي سيطر.
لو صرخت سيقولون إنني أهذي بسبب الأدوية.
لو رميت العصير سيزول الدليل مع أول ممسحة.
كان يجب أن أكون أذكى.
أهدأ.
أخطر.
رفعت عيني مظهرة سذاجة مصطنعة بعناية.
كانت مارثا عند النافذة الآن ظهرها نحوي تصدر ضوضاء مبالغا فيها وهي تعبث بالستائر شفراتها البلاستيكية تحدث طقطقة عاليةصوتا مفتعلا لتغطية صمتي المحتمل لحظة موتي.
لم تكن تنظر.
لم تستطع.

هي تريد النتيجة لا الفعل.
أما ديفيد فكان لا يزال عند الباب لكنه استدار تماما يتظاهر بالانشغال بخريطة مخرج الحريق.
جبان حتى نخاع العظم.
هما يمنحاني الخصوصية لأمـ,ـوت.
انحنيت قليلا نحو ليو وابتسمت ابتسامة شعرت بها كقناع يتشقق
آه هي قالت كده همست له بنبرة ثابتة رغم الرعب الذي يخنقني.
خفضت الكوب ببطء متعمدة.
ليو نظر إلي باستغراب حاجباه الصغيران منقبضان.
لم يكن يفهم لم يكن إلا أداة. طفل مستغل يحمل سلاحا دون أن يعرف.
من عند النافذة نادت مارثا بصوت متوتر
طعمها كويس يا حبيبتي فيتامين سي مهم جدا للشفا انتي عارفة.

لذيذة يا مارثا كذبت وأنا لا أتعرف على صوتي. حامضة قوي.
جالت عيناي في الغرفة بجنون. كانت الطاولة المجاورة للسرير تعج ببطاقات مع السلامة وتلك المزهرية البشعة المليئة بالزنابق. كانت المزهرية معتمة خزفية زرقاء كالكوبالت ومملوءة بماء راكد وعكر. خطرت لي فكرة يائسة وخطرة.
تحركت بسرعة أطلقت شرارة من البرق الأبيض الساخن عبر ساقي المكسورة. وفي حركة واحدة مؤلمة لكن حاسمة قلبت كوب العصير فوق فوهة المزهرية. اختفى السائل البرتقالي الصارخ بصمت وبسرعة داخل الماء الداكنسر يبتلع
رفعت الكوب الفارغ الآن إلى شفتي وأرجعت رأسي للخلف في جرعة مسرحية وابتلعت الهواء فقط. مسحت فمي بظاهر يدي لاستكمال المشهد.

خلص كلو قلت بصوت عال بما يكفي ليسمعوهناقوس موت لخطتهم.
كويس قالت مارثا وصوتها يرتجف راحة. ثم استدارت وقد أعادت وجهها إلى قناع من العطف الأمومي المصطنع.
حاسة إني ناعسة قوي أضفت وأسدلت جفوني بثقل مصطنع.
ده من السكر أكيد تمتم ديفيد من عند الباب وصوته يتكسر في آخر كلمة.
أسقطت الكوب من يدي على الملاءات البيضاء. وأرحت رأسي على الوسادة.
بدأت اللعبة.
تمددت بلا حركة مركزة كل طاقتي على التحكم في أنفاسي أجبرها على إيقاع بطيء منتظم يشبه النوم العميق.
في داخلي كان عقلي يصرخ صرخة بدائية صامتة من الهلع والغضب.
واحد اثنان شهيق.

واحد اثنان زفير.
هي ماتت جاء صوت ديفيد خافتا مرتجفا وهو يدخل الغرفة بالكامل أخيرا. انغلق الباب خلفه بصوت حاد غير طبيعي في السكون.
هي قريب الجرعة كانت كبيرة همست مارثا صوتها سام لاذع. سمعت وقع كعبيها على الأرضية وهي تقترب من سريري. بطل رعشة يا ديفيد. فوق. إحنا بنعمل كده علشان ليو. علشان العيلة. الست دي عمرها ما كانت مننا. كانت عائق قعدة مكان مش بتاعها.
حادثة العربية كانت المفروض تخلص تمتم ديفيد واعترافه ضربني كصفعة أقسى من الضربة الهوائية التي حطمت السيارة. أنا قطعت خرطوم الفرامل زي ما قلتي. شوفت الزيت وهو بينزل على أرض الجراج. ماكانش المفروض تطلع منها.
القدر حب يضمن ردت مارثا بنبرة باردة كالغرفة من حولنا. القدر حب نستخدم الولد عشان مفيش حد يشك. مين يشك إن طفل صغير لطيف يسمم مراته الجديدة الموضوع شبه قصيدة.
شعرت بيد مارثاباردة جافةتمسك بمعصمي. لم تكن تبحث عن نبض.
كانت تفك ساعة يدي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى