عام

جدار القبو فخرج سر عمره 30 عاما

في المخفر استمع المفوض هيكتور رويث إلى الرواية بملامح متعبة. لم يكن رجلا قاسيا لكنه كان معتادا على التقليل من الأمور. في تلك السنوات كانت أشياء كثيرة تكنس تحت السجادة. كانت الاختفاءات تفسر بالهــ,ـروب بالقرارات المتهورة بالصمت المريح. أصر خورخي ضــ,ـرب المكتب طالب بالبحث عن ابنته. وعد رويث بإرسال دوريات لكن نبرته لم تحمل استعجالا حقيقيا.

ضاعت الساعات الأولى في إجراءات بطيئة وبحث سطحي. فتشت الساحات وسئل في بيوت الصديقات وجابت الدوريات الشوارع الرئيسية. لم يفكر أحد في النظر أبعد في الأماكن غير المريحة في البيوت المهجورة في الأقبية المغلقة.
ومع مرور الأيام بدأ الملف يبرد. ظهرت الشائعات إن مارينا هــ,ـربت مع حبيب أكبر سنا أو أن أحدهم رآها تصعد سيارة أو أنها انتقلت إلى بلدة أخرى. تكررت كل رواية وتشــ,ـوهت حتى دــ,ـفنت الحقيقة تحت طبقات من الافتراضات.

توقفت كارمن عن النوم. شاخ خورخي فجأة. بقيت غرفة مارينا على حالها لسنوات كمزار صامت. لم تعد حقيبة الظهر البنية تظهر. أو هكذا ظن الجميع.
إلى أن بعد ثلاثين عاما انهار جدار زائف تحت ضــ,ـربة معول وأجبر البلدة بأكملها على مواجهة ما قررت نسيانه.
انتشر الخبر بسرعة. هيكل عظمي وجد في منزل قديم. ربما لفتاة شابة.

بدأ الجيران يربطون خيوطا ظلت مفصولة لعقود. تذكر بعضهم اختفاء مارينا. وفضل آخرون الصمت. ففي بلدة صغيرة الصمت أيضا وسيلة للبقاء.
وتحت ذلك المنزل بين الغبار والطوب كانت الحقيقة تنتظر.
هز العثور على الهيكل العظمي سان فيسنتي ديل سور كزلزال متأخر. لم يكن صدمة فورية بل تصدعا بطيئا وعميقا كشق ينفتح تحت الأقدام. في البداية تداول الخبر بحذر جــ,ـثة وجدت في منزل قديم لا شيء مؤكد بعد.

لكن في القرى الصغيرة لا تبقى الكلمات ساكنة تتغير تكبر تتشــ,ـوه. وفي أقل من أربع وعشرين ساعة صار الجميع يتحدث عن فتاة اختفت منذ عقود.

أرسلت الشرطة الإقليمية فريقا جنائيا كاملا. أغلق القبو وخضع المنزل للحراسة. استدعي خوسيه كارلوس مينديز للإدلاء بإفادته تلك الليلة. روى كل شيء بدقة كل ضربة معول الصوت الأجوف المصباح الذي أضاء الداخل. وكان يكرر عبارة واحدة كأنها اعتذار لم نكن نعلم أنه هناك. لم يكن أحد يعلم أو هكذا قالوا.

نقلت العظام بعناية فائقة. كل عظمة كل بقايا قماش كل غرض جرى توثيقه. لفتت الحقيبة البنية الانتباه فورا كانت جافة لكنها محفوظة بشكل مدهش. وجد في داخلها دفاتر شبه غير مقروءة مقلمة ومنديل مطرز بحروف بالكاد ترى م. س. حرفان لم يعنيا شيئا للبعض لكنهما كانا طعــ,ـنة مباشرة في صدر آخرين.

حين ظهر اسم مارينا سانتوس في التقارير الأولية عاد الماضي دون استئذان.
كانت كارمن سانتوس جالسة في المطبخ حين رن الهاتف. جعلها الصوت ترتجف فقد عاشت سنوات على هذا الشعور كأن كل اتصال قد يحمل الخبر الذي لم يصل أبدا. طلب صوت رسمي من الطرف الآخر تأكيد هويتها ثم نطق كلمات انتظرتها وخشيتها ثلاثين عاما عثر على بقايا بشرية ويعتقد أنها تعود لابنتها.

لم تصرخ. لم تبك. بقيت صامتة يدها على الطاولة تشعر بأن شيئا ما يستقر في داخلها بطريقة مؤلمة وحاسمة. كان عدم المعرفة جــ,ـرحا مفتوحا. أما المعرفة مهما كانت قاسية فكانت شيئا آخر.
لم يكن خورخي موجودا ليسمع الخبر فقد توفي قبل عشر سنوات حاملا معه شعور الذنب لعدم عثوره على مارينا لعدم فعله المزيد. فكرت كارمن فيه تلك الليلة في رد فعله المحتمل. ربما كان سيضــ,رب الجدار أو يطالب بالعدالة بصوت عال أو يبكي كما لم يسمح لنفسه من قبل.

كان التعرف الرسمي بطيئا فحوصات حمض نووي تحاليل أسنان مقارنات بسجلات قديمة. كل خطوة كانت تطيل الانتظار وتجعل النتيجة أكثر واقعية. وخلال ذلك كان أهل البلدة يراقبون. بعضهم بفضول وبعضهم بخوف. لأن وجود مارينا هناك طوال ذلك الوقت يعني أن أحدا ما كان يعلم أو على الأقل كان يشك.

وصل الصحفيون أولا من الإذاعات المحلية ثم من القنوات الإقليمية. كاميرات أمام المخفر ميكروفونات ممدودة أسئلة محرجة. كان المفوض هيكتور رويث متقاعدا لكن اسمه عاد للتداول. دافع عنه بعضهم واتهمه آخرون. ففي 1976 كان أعلى سلطة شرطية في البلدة وكانت القرارات أو غيابها تمر عبر يديه.

كان للمنزل تاريخ فقد كان مملوكا لعائلة غادرت منتصف السبعينيات. ظل مهجورا سنوات يتبدل ملاكه دون أن يسكنه أحد طويلا. مكان منسي مثالي لإخفاء ما لا ينبغي العثور عليه.
أكد الخبراء أن العظام بقيت هناك عــ,ـقودا. لم يمكن تحديد سبب الوفاة بدقة لكن كانت هناك دلائل واضحة على عنف. لم تهرب مارينا. لم تختف بإرادتها. لم تختر الغياب.

حين تلقت كارمن التأكيد الرسمي طلبت رؤية الحقيبة. عرضت عليها في غرفة بيضاء تحت ضوء اصطناعي. وما إن رأتها حتى بدأت يداها ترتجفان. تعرفت على الرقعة المخيطة في أحد الجيوب كانت هي من أصلحته بنفسها. دليل صامت لكنه قاطع. كانت مارينا هناك. وماتت هناك.
كان الوداع بسيطا. لم يكن هناك جسد بل ذكريات. صورة مكبرة لمارينا في الرابعة عشرة تبتسم بخجل بدا قادما من عالم آخر. حضر جيران لم يذكروا اسمها منذ سنوات ليقدموا العزاء بعضهم بدموع صادقة وآخرون بكلمات فارغة. كانت كارمن تستمع لكن عقلها كان في مكان آخر في الماضي يعيد كل تفصيل كل قرار كل باب لم يفتح.

أعيد فتح التحقيق رسميا. قضية باردة دفنت بالزمن عادت إلى السطح. راجع المحققون الأرشيف القديم وأجروا مقابلات مع أشخاص كانوا شبابا عام 1976 وصاروا اليوم أجدادا. كثيرون قالوا إنهم لا يتذكرون. وآخرون تذكروا أكثر مما ينبغي.
كانت لوسيا الصديقة التي ودعت مارينا عند زاوية بيلغرانو من أوائل من استدعوا. كانت تعيش في مدينة أخرى لها أولاد وحياة بنيت فوق طبقات من الاعتياد. حين دخلت غرفة التحقيق شعرت أنها عادت في العمر أربع عشرة سنة.

كررت روايتها مرة أخرى الوداع المسير لا شيء غير طبيعي. لكن صوتها انكــ,ـسر هذه المرة لأنها كانت تعرف الآن كيف انتهت تلك القصة.
بدأت أسماء تذكر همسا رجال كانوا يسكنون قرب الطريق الذي اعتادت مارينا سلوكه أشخاص لم يعودوا في البلدة تعليقات كانت تعد آنذاك نميمة. الحقيقة حين تظهر متأخرة تأتي مجزأة.

تغيرت سان فيسنتي ديل سور. ليس بشكل ظاهر بل بعمق. صارت الأحاديث أقصر والنظرات أطول. لأن الهيكل العظمي تحت المنزل لم يكشف جريمة فحسب بل فضح ميثاقا صامتا من الإغفال والخوف واللامبالاة.
عادت كارمن إلى غرفة مارينا لأول مرة منذ سنوات. فتحت الخزانة لمست الملابس جلست على الســ,رير.

لم تبك. شعرت بشيء مختلف سكينة حزينة. لم تكن معرفة مكان ابنتها عزاء لكنها أزالت ثقلا لا يحتمل كان اسمه عدم اليقين.
سارت العدالة ببطء كعادتها. ربما ببطء شديد لمعــ,ـاقبة المسؤولين. لكن بالنسبة لكارمن ولذكرى مارينا ولبلدة تعلمت الصمت لم يعد الصمت خيارا.
فبعض الجدران

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى