عام

طرق باب بيته فجرا

كانت ملامحه جامدة لا غضب فيها ولا دموع فقط صلابة باردة تخيف أكثر من الصراخ.
وصوته خرج ثابتا على نحو لم تعرفه فيه من قبل.
سبع سنوات قال.
لم تكن الكلمة مجرد رقم.
كانت وزنا سقط من فمه وارتطم بالمكان كله.
ثم أعادها كأن الرقم يحتاج أن يقال مرتين ليصبح حقيقة لا مهرب منها
سبع سنوات وأنا أعمل من أجل هذا البيت

سبع سنوات وأنا أظن أنني أبني جدرانا آمنة
وأنت في الوقت نفسه دفنت أمي حية.
سكت قليلا لا لأن الكلمات انتهت بل لأن الغضب كان أكبر من أن يقال دفعة واحدة.
كانت فيرونيكا تقف أمامه يداها ترتجفان وعيناها تبحثان عن مخرج عن جملة واحدة قد تخفف وقع الحقيقة.
حاولت التبرير.
قالت كلمات متقطعة لا يمسك بعضها ببعض.
بكت كما يبكي من يفاجأ بانكشاف أمره لا كما يبكي من يندم.
ثم في محاولة أخيرة يائسة حاولت أن تلقي اللوم على الحاجة كارمن كأن الضحية يمكن أن تتحول فجأة إلى سبب.
لكن شيئا من ذلك لم يعد يجدي.

لم تعد الكلمات تملك وزنا ولا الأعذار قادرة على الوقوف. كان جوليان قد تجاوز مرحلة الغضب الصاخب ذلك الغضب الذي يرفع الصوت ويكسر الأشياء. وصل إلى تلك النقطة الباردة القــ,اسية التي يصبح فيها القرار أثقل من الانفعال ويغدو الصمت أوضح من أي صراخ.
في تلك اللحظة لم يشعر بالانتصار ولا بالراحة. شعر فقط بأن عليه أن يفعل ما كان يجب أن يفعل منذ زمن ولو جاء متأخرا سبع سنوات كاملة.

أخرج هاتفه بيد ثابتة على نحو أدهشه هو نفسه.
لم ترتجف أصابعه.
لم يتردد صوته.
كأن سبع سنوات من الغياب والطرق الطويلة والليالي التي أقنع فيها نفسه بأنه يفعل الصواب تحولت فجأة إلى قرار واحد واضح لا يقبل المساومة.
اتصل بالسلطات.
ثم بالجيران.
ثم بكل من لزم الأمر.

لم يتراجع.
لم يحاول التخفيف.
لم يسأل نفسه إن كان ما يفعله قـ,اسيا.
كان يعرف أن القسوة الحقيقية قد حدثت بالفعل وأن ما يقوم به الآن ليس سوى مواجهة متأخرة.
نقلت الحاجة كارمن إلى المستشفى.
عندما دخلت الممر الأبيض شعرت بالارتباك.
كان كل شيء نظيفا أكثر مما اعتادت مضاء أكثر مما تحتمل عيناها في البداية.

كانت تنظر إلى السقف طويلا لا لأنها كانت تهتم بتفاصيله بل لأنها كانت تخشى أن ينطفئ الضوء فجأة أن يطلب منها النزول أن يقال لها إن هذا المكان ليس لها.
كانت تنتظر الأمر ولم يأت.
للمرة الأولى منذ سنوات لم يأت أحد ليأخذها إلى الأسفل.
نامت في سرير حقيقي بملاءة ناعمة لم تشم فيها رائحة الرطوبة ولا العتمة.
كان الضوء دافئا ثابتا لا يخيف.

وكان الصمت مختلفا صمت لا يهد,د ولا يعا,قب ولا ينتظر خطأ.
جلس جوليان إلى جوارها ممسكا بيدها.
لم يكن يمسكها بقوة بل بحذر شديد كمن يخشى أن يوقظ جرحا قديما أو أن يفلت الزمن من
بين أصابعه ويعيدها إلى القبو.
كان ينظر إلى يدها إلى جلدها الرقيق إلى عروقها البارزة ويشعر بأن كل طريق قطعه بعيدا عنها كان يمر الآن فوق صدره.
سامحيني يا أمي قال بصوت متهدج لم أعرف كيف أراك كنت أظن أن غيابي من أجلنا جميعا كنت أظن أنني أحميكم.
لم ترد فورا.

نظرت إليه طويلا نظرة لم تحمل عتابا ولا سؤالا ولا رغبة في استعادة الألم.
كانت نظرة أم تعرف أن اللوم أحيانا عبء لا ضرورة له.
ربتت على رأسه ببطء كما كانت تفعل وهو طفل صغير حين كان يبكي بلا سبب واضح وحين كانت هي تعرف أن البكاء لا يحتاج دائما إلى تفسير.
أنت هنا الآن
وهذا يكفي.

خرجت الكلمات منها بهدوء شديد كأنها تخشى أن تثقله بما لا يحتمل.
وكأنها اختارت مرة أخرى أن تحميه حتى من ذنبه.
حوكمت فيرونيكا.
وامتلأت القصة بالتفاصيل التي لم تقل من قبل وبالأبواب التي فتحت متأخرة.
أما البيت فبقي خاليا صامتا كأنه يخجل مما شهده بين جدرانه.
كان كل ركن فيه يحمل ذكرى لا تريد أن تروى وكل درجة تقود إلى الأسفل تذكر بما لا يمكن إصلاحه.
وبعد أشهر حين هدأ كل شيء وحين تعلم الصمت أن يكون أقل ثقلا باع جوليان ذلك المنزل.
لم يقف أمامه طويلا.

لم يودعه.
كان يعرف أن بعض الأماكن لا تصلح للعودة مهما أعيد ترتيبها ومهما فتحت نوافذها.
انتقل مع أمه إلى مكان صغير لكنه مغمور بالشمس.
نوافذه واسعة لا تخفي الضوء.
أبوابه خفيفة لا تغلق من الخارج.
والهواء يدخل بلا إذن كما لو أنه مرحب به دائما.
كان الضوء يتسلل كل صباح بلا عوائق.

وكانا يجلسان إلى المائدة نفسها في الوقت نفسه يتشاركان القهوة والخبز والصمت دون خوف من لحظة تنقلب فيها الطمأنينة إلى قيد ودون أسرار تخبأ في الأسفل.
كانت الحاجة كارمن تنام مطمئنة كل ليلة.
لا أقفال تغلق من الخارج.
لا درجات تنزل إلى العتمة.
لا ظلام ينتظرها إن أخطأت.

وأحيانا كانت تستيقظ في منتصف الليل لا بسبب كابوس بل لتتأكد فقط أن الضوء ما زال هناك وأن الباب مفتوح وأن ابنها في الغرفة القريبة قريبا بما يكفي.
ثم تعود إلى النوم.
بقي القبو خلفهما.
وبقي الظلام خلفهما.
ورغم أن سبع سنوات لا يمكن محوها
ولا يمكن إعادتها
ولا يمكن إصلاح كل ما كسر فيها
فإن الحب
لم يختف.
عاد ببطء

عاد متعبا
عاد مثقلا بالند,م
لكنه عاد.
عاد ليقيم في الضوء
لا في الأسفل.
وصعد الدرج
هذه المرة
من دون أن يترك أحدا خلفه.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى