
يوم لم تكن تنتظره
ولم تتخيله
ولم تعد تؤمن بأنه سيأتي.
عاد جوليان دون سابق إنذار.
كان قد أنهى عقدا طويلا في مونتيري. أشهر من الطرق ومن التعب ومن الغياب. وفي تلك الليلة قرر أن يعود فجأة. أراد أن يفاجئ فيرونيكا أن يدخل البيت بهدوء أن يراها نائمة أن يشعر أخيرا بأنه عاد إلى مكانه.
وصل في الفجر مرهق الجسد لكنه خفيف القلب.
فتح الباب بهدوء كما لو كان يخشى أن يوقظ البيت نفسه.
لكن البيت لم يكن نائما.
كان صامتا على نحو غريب.
صمتا ثقيلا لا يشبه هدوء البيوت الآمنة بل يشبه صمت الأماكن التي تخفي سرا.
توقف جوليان في مكانه.
شعر بانقباض مفاجئ في صدره بلا سبب واضح.
ثم سمع الصوت.
صوت ارتطام خافت.
صوتا مكتوما مترددا كأنه تردد بين أن يسمع أو أن يبقى حبيس العتمة.
مرحبا نادى بصوت منخفض فيرو
لم تأته إجابة.
لكن الصوت تكرر.
لم يكن مجرد صوت عابر ولا وهما عالقا في أذن متعبة.
كان حقيقيا واضحا يأتي من عمق البيت من ذلك المكان الذي لم يكن جوليان يفكر فيه أبدا.
وكان آتيا من الأسفل.
توقف جوليان في مكانه.
مد أذنه أكثر وحبس أنفاسه كأن أي حركة قد تفقده ذلك الخيط الرفيع الذي يقوده إلى الحقيقة.
عاد الصوت هذه المرة أضعف متقطعا كأنه يختبر إن كان يستحق أن يسمع.
يكن جوليان ينزل إلى القبو أبدا.
لم يكن جزءا من يومه ولا من ذاكرته ولا من تصوره عن البيت الذي تركه خلفه في كل رحلة.
القبو في ذهنه لم يكن سوى مكان مهمل بلا معنى بلا حياة.
لكن في تلك اللحظة شعر بشيء مختلف.
شيء ما شده إلى الأسفل.
لم يكن فضولا.
ولم يكن خوفا خالصا.
كان شعورا أثقل من الخوف وأقوى من التردد وأقسى من أي تعب عرفه على الطرق الطويلة.
نزل الدرج ببطء.
كانت كل درجة تصدر صريرا خافتا كأن البيت نفسه يحتج على ما أوشك أن يكشف.
كان المصباح يتدلى فوق رأسه يومض بضوء شاحب يشتعل وينطفئ كأنه يتردد بين أن ينير الحقيقة أو يتركها في الظلام.
الهواء كان باردا.
رطبا.
يحمل رائحة الأرض القديمة والحديد الصدئ والعزلة الطويلة.
ومع كل خطوة كان صدره يضيق أكثر كأن الهواء يقل وكأن المكان لا يريد دخوله.
وعندها
رآها.
لم ير أمه كما كان يتذكرها.
لم ير المرأة التي كانت تضحك بصوت عال ولا التي كانت تقف عند الباب تودعه وتدعوه بالحفظ.
رأى هيئة منحنية صغيرة تكاد تختفي داخل نفسها ملفوفة ببطانية مهترئة فقدت لونها منذ زمن.
كانت جالسة على كرسي مكسور لا يسنده إلا العادة كما لو أنها اعتادت الجلوس هناك حتى صار جزءا منها.
وجه مألوف
لكن مختلف.
وجه نحيل محفور بخطوط لم تكن موجودة من قبل.
وجه أرهقته السنوات ونحته المعاناة وأطفأت فيه الحياة شيئا فشيئا دون صراخ دون احتجاج.
أمي
خرجت الكلمة من فمه كهمس مرتجف كأنها تخشى أن تسمع أو أن تكون خطأ.
رفعت الحاجة كارمن رأسها ببطء شديد.
تحركت كأن الجسد يطيع بصعوبة وكأن كل حركة تحتاج إذنا من الألم.
حدقت فيه طويلا طويلا إلى حد موجع كأنها لا تصدق ما تراه وكأنها تخشى أن يكون طيفا صنعه الحنين.
ثم
امتلأت عيناها المتعبتان بالدموع.
يا بني لقد عدت قالت.
لم يكن صوتها قويا.
كان مكسورا واهنا لكنه كان صادقا.
وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة أشبه باعتذار طويل عن سبع سنوات من الصمت.
في تلك اللحظة تحطم عالم جوليان.
لم يصرخ.
لم يبك.
لم يستطع حتى أن يتنفس بعمق.
سقط على ركبتيه أمامها كما يسقط الإنسان حين تخونه قوته دفعة واحدة.
أمسك بيديها الباردتين بجلدها الهش وشعر بأن كل الطرق التي قطعها وكل الليالي التي غابها وكل الأعذار التي أقنع بها نفسه تنهار فوق رأسه دفعة واحدة.
لم تحتج إلى شرح.
لم تقل شيئا.
لم تشتك.
كان كل شيء واضحا واضحا حد الألم.
وفي الأعلى دوى صوت خطوات سريعة.
نزلت فيرونيكا مسرعة وقد تغير لون وجهها وارتسم الذعر في عينيها قبل أن تنطق.
جوليان! أستطيع أن أشرح
نهض ببطء.




