Uncategorized

ادعيت أن بطني تؤلـ.ـمني

فالجريمة انكشفت.
والسوار عاد.
والمتورطون اعترفوا.
لكن السؤال الذي بقي معلقًا في الهواء كان أكبر من السرقة نفسها.
ما الذي يمكن أن يدفع امرأة إلى تدمير حياة أختها بهذه القسوة؟
وما الذي يجعلها تخطط لشهور طويلة حتى ترى شقيقتها تُساق مكبلة أمام الناس؟
كان المفتش أول من كسر الصمت.
نظر إلى خالتي طويلًا.
ثم قال
كل هذا أصبح واضحًا الآن.
وتوقف لحظة.
قبل أن يكمل
لكن ما زال هناك شيء لا أفهمه.
رفعت خالتي رأسها ببطء.
فقال
لماذا فعلتِ كل هذا؟
ولثوانٍ طويلة لم تجب.
بقيت تحدق أمامها فقط.
وكأنها لم تسمع السؤال.
لكنني كنت أراقب وجهها.
ورأيت شيئًا يتغير بداخله.
شيئًا قديمًا.
شيئًا ظل مختبئًا سنوات طويلة.
ثم فجأة انفجرت.
ليس بالبكاء.
ولا بالندم.
بل بالغضب.
غضب بدا وكأنه كان ينتظر فرصة للخروج منذ عمر كامل.
التفتت نحو أمي مباشرة.
وقالت بصوت مرتفع
لأنها أخذت كل شيء.
ساد الصمت.
وأكملت وهي تشير إليها بإصبع مرتجف
منذ طفولتنا وكل شيء كان لها.

كل شيء.
حب أبي.
وثقته.
واختياراته.
ودائمًا كانت هي الابنة المثالية التي لا تخطئ.
تجمدت أمي في مكانها.
أما خالتي فبدت وكأنها لم تعد قادرة على التوقف.
خرجت الكلمات منها دفعة واحدة.
كأنها سيل ظل محتجزًا خلف سد لسنوات طويلة.
عندما كنا صغيرتين كان يدافع عنها دائمًا.
وعندما كبرنا كان يستشيرها دائمًا.
وعندما مرض كان ينادي عليها دائمًا.
ثم ضحكت ضحكة قصيرة مليئة بالمرارة.
وأضافت
وحتى عندما مات ترك كل شيء لها.
بدأ الحاضرون يتبادلون النظرات.
أما أمي فهزت رأسها ببطء.
وقالت
هذا غير صحيح.
لكن خالتي لم تسمعها أصلًا.
أو ربما لم تعد تريد أن تسمع شيئًا.
كانت تتحدث أخيرًا عن الجرح الذي حملته داخلها ثلاثة عشر عامًا كاملة.
وقالت
أخذتِ الشقة.
وأخذتِ ثقة أبي.
وأخذتِ مفتاح الخزنة.
ثم ارتفع صوتها أكثر.
وأصبح أقرب إلى الصراخ.
وأخذتِ حقي كله.
شعرت أن الغرفة كلها تجمدت عند تلك الكلمة.
الخزنة.
لأنها كانت أول مرة يسمع فيها معظم الموجودين عنها.
حتى المفتش عقد حاجبيه.
ونظر إلى أمي.
ثم سأل
أي خزنة؟
ضحكت خالتي بمرارة.
وقالت
ها قد وصلنا أخيرًا إلى الحقيقة.
ثم التفتت إلى الجميع.
وأضافت
قبل موته بأيام ترك والدنا خزنة مصرفية.
وسلم مفتاحها لها وحدها.
ولم يخبر أحدًا بما يوجد بداخلها.
ثم أشارت إلى أمي مجددًا.
ومنذ ثلاثة عشر عامًا وهي تخفي كل شيء.
ارتفعت همهمات الحاضرين.
وبدأ الفضول يظهر على الوجوه.
فحتى عمي بدا متفاجئًا.
أما أمي فأطلقت زفرة طويلة.
وكأنها تعبت من الهروب من هذا الحديث.
ثم قالت بهدوء
نعم.
فساد الصمت فورًا.
وأكملت
هناك خزنة بالفعل.
اتسعت عينا خالتي.
وكأنها انتظرت هذه اللحظة سنوات.
لكن أمي تابعت كلامها دون تردد.
لكنني لم أسرق شيئًا.
ولم آخذ شيئًا ليس من حقي.
ولم أفتح الخزنة أصلًا.
انفجرت خالتي ضاحكة.
وقالت
تريدين منا أن نصدق ذلك؟
لكن أمي لم تنفعل.
بل نظرت مباشرة إلى المفتش.
وقالت
بعد وفاة أبي احتفظت بالمفتاح والأوراق فقط.
لأن هذا ما طلبه مني.
أما محتويات الخزنة فلم أرها يومًا.
ولم أعرف ما بداخلها.
تقدم المفتش خطوة.
وقال
وهل لديك ما يثبت ذلك؟
أومأت أمي برأسها.
ثم فتحت حقيبتها.
وأخرجت ظرفًا قديمًا حافظت عليه طوال السنوات الماضية.
كان مغلقًا بختم رسمي.
وتبدو عليه آثار الزمن.
أخذ المفتش الظرف.
وفتحه بحذر.
ثم بدأ يراجع المستندات الموجودة بداخله.
صفحة.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
حتى رفع رأسه أخيرًا.
وقال
هذه بالفعل أوراق الخزنة.
شعرت بأن التوتر عاد إلى الغرفة من جديد.
لكن هذه المرة لم يكن بسبب السوار.
ولا بسبب السرقة.
بل بسبب شيء ظل مخفيًا ثلاثة عشر عامًا كاملة.
شيء قد يكون سبب كل هذا الحقد.
وكل هذا الخراب.
وكل هذه المؤامرة.
نظرت خالتي إلى الأوراق وكأنها تنظر إلى عمر كامل ضاع منها.
ثم قالت بصوت حاد
إذًا افتحوها.
التفت الجميع إليها.
فأكملت
إذا كانت تقول الحقيقة فلتُفتح الخزنة أمام الجميع.
ولينتهِ هذا الأمر مرة واحدة وإلى الأبد.
ساد الصمت.
ثم اتجهت الأنظار كلها نحو أمي.
أما هي فظلت صامتة لثوانٍ طويلة.
ثم قالت أخيرًا
موافقة.
وفي تلك اللحظة شعر الجميع أن قصة السوار المسروق انتهت بالفعل.
لكن قصة الخزنة…
كانت على وشك أن تبدأ.
في صباح اليوم التالي لم ينم أحد منا تقريبًا، فبعد ليلة طويلة امتلأت بالشرطة والتحقيقات والاعترافات والحقائق التي خرجت إلى النور واحدة تلو الأخرى
أصبح الحديث كله يدور حول شيء واحد فقط، الخزنة التي ظل اسمها يتردد منذ سنوات دون أن يعرف أحد على وجه اليقين ما الذي تخفيه بداخلها، والخزنة التي كانت خالتي مقتنعة أنها السبب الحقيقي لكل ما حدث وأنها الدليل الذي سيثبت أخيرًا أن أمي سرقت حقها واستولت على ميراثها وخدعتها طوال ثلاثة عشر عامًا كاملة.
خرجنا من المنزل في الصباح الباكر.
كنت أسير بجوار أمي.
أما خالتي فكانت تسير على بعد خطوات منا برفقة رجال الشرطة.
ورغم كل ما حدث لها في الليلة السابقة، ورغم اعتراف الشريك، ورغم سقوط خطتها بالكامل، فإنني كنت أرى شيئًا غريبًا في عينيها.
الأمل.
كانت ما تزال متمسكة بأمل أخير.
أمل يجعلها تتحمل كل شيء.
وكأنها تقول لنفسها إن الخسارة لم تكتمل بعد.
وأن الحقيقة النهائية لم تظهر بعد.
وأن الخزنة ستنقذها.
وستثبت أنها كانت الضحية طوال هذه السنوات.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى