روايات وقصص

سر المولد

​ردت أمي بصوت هادي: “ايوه.”
​وسكتوا.
​النقاش بينهم اتقطع فجأة وبشكل غريب، كأنه سر أو موضوع مكتوم مش عايزيني افهمه ولا أسمعه. جدتي قعدت على الدكة وتبكي بسكوت، وأمي دخلت المطبخ عادي جداً، وبدأت تحضر الغدا بهدوء! لا عيطت، ولا صرخت، زي أي أم بنتها تاهت، ولا حتى راحت للمركز تعمل بلاغ للبوليس!
​من اليوم ده، أحلام اختفت من حياتنا كأنها ما اتخلقتش.
​عدى 8 سنين كاملين على الليلة الشؤم دي. 8 سنين وأنا كبرت وبقى عندي 19سنة، بس لسه ببكي على أحلام كل ليلة تحت البطانية. كرهت الموالد، وكرهت المراجيح، وكرهت أصوات الأغاني والأنوار اللي بتنور السماء في الموسم ده. المولد بالنسبة لي كان الموت اللي خطف أختي وتوأم روحي.
​وفجأة من شهر، أتقدم لي شاب من البلد، اسمو محمود، ابن ناس طيبين وشغال في صيدلية، وقال إنه هيخلص شقته في خلال شهور ونتجوز. جدتي وافقت، وأمي وافقت من غير ما تتكلم كتير، وأنا بيني وبين نفسي قلت شاب كويس وابن حلال ومافيش فيه عيب، يمكن ربنا بيرد لي جزء من الفرحة اللي راحت مني.
​ونمت ليلتها وأنا بحاول أقنع نفسي إن اللي جاي أحسن.
​تاني يوم الصبح بدري، صحيت على إيد بتتحرك على كتفي بالراحة. فتحت عيني بالتدريج، لقيت أمي واقفة فوق راسي.
​نفس النظرة الخالية من التعبير.. نفس البرود العجيب اللي شفته من عشر سنين.. ونفس الهدوء المرعب.
​قربت مني، وبصوت واطي قالتلي:
“قومي البسي يا عبير.. هاخدك افسحك في المولد قبل جوازك.”
​في اللحظة دي، حسيت كأن ملاك الموت دخل الأوضة. قلبي وقف والكلمة رنت في ودني زي صدى صوت جاي من القبر. نفس النبرة، ونفس الطريقة، ونفس المولد اللي خدت فيه أحلام وما رجعتش بيها!
بس أنا ما اعترضتش. ما نطقتش بحرف.
​لبست هدومي وروحت معاها من سكات لأني كنت مستعدة أدفع عمري كله بس افهم سر المولد!!!!!
وقفت قصاد المراية، إيدي كانت بتبصم على طرحتي بالعافية من كتر الرعشة. قلبي كان بيدق زي الطبل، بس مش من الخوف.. كان بيدق من شغف رهيب ومخيف، شغف إني أخيرًا هعرف السر اللي دفنته أمي جوة قلبها من تمان سنين. خرجت وراها وهي ماشية بخطوات ثقيلة ومحسوبة، لا بتلتفت وراها ولا بتبصلي، كأنها مسحورة أو رايحة تنفذ مهمة متأجلة من سنين.
​الدنيا كانت ليل، وأصوات الأغاني الشعبية والمزامير جاية من بعيد، والأنوار الملونة للمولد مالية السما. كل خطوة كنا بنقربها من ساحة المولد، كان جسمي بيمشعر. افتكرت أحلام، افتكرت فستانها الأزرق وطرحتها الخفيفة وهي ماشية نفس المشية دي ورا أمي ومستنية المراجيح.. ورجعت من غيرها.
​دخلنا المولد وسط الزحمة والزيطة، الناس بتضحك وبتلعب والأطفال طايرين بالمراجيح، وأمي ماشية في خط مستقيم، ولا اتلفتت لمروحة ولا لغزل بنات. كانت عارفة طريقها كويس، طريق محدش يعرفه غيرها. مشينا لغاية ما خرجنا من الزحمة الكبيرة، ودخلنا في زقاق ضيق ورا مقام الشيخ، الحتة هناك كانت هادية وضلمة، ومافيش غير لمبة صفرا واحدة بتترعش على أول الشارع.
​وقفت أمي قدام بيت قديم، بابه خشب متأكل، وخبطت تلات خبطات متقطعة.
​قلبي كان هيقف. كنت بمسك نفسي بالعافية عشان ما أصرخش وأسألها: “إحنا هنا ليه؟ فين أختي؟ “. الباب اتفتح بالراحة، وظهرت من وراه

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

قلبي كان هيقف. كنت بمسك نفسي بالعافية عشان ما أصرخش وأسألها: “إحنا هنا ليه؟ فين أختي؟”. الباب اتفتح بالراحة، وظهرت من وراه ست كبار في السن، وشها مليان طيبة ونور، بس يظهر عليها التعب والشقا. أول ما الست شافت أمي، عيونها دمعت وابتسمت ابتسامة دافية، وقالت بصوت مليان شجن: “صفية؟ تعالي يا حبيبتي.. تعالي ادخلي.”

​أمي دخلت وأنا وراها زي الخيال. البيت كان بسيط جدًا، بس نضيف وريحته البخور والمسك. الست بصلتي بشوق غريب، وقربت مني ومسكت إيدي بتترعش وقالت: “دي عبير؟ كبرتي وبقيتي زي القمر يا بنتي.. زي أختك بالظبط.”
​أول ما سمعت كلمة “أختك”، ركبي خارت تحت مني. أمي قعدت على دكة خشب وبصت للست وقالت بنفس الهدوء اللي بيقطع القلب: “كبرت يا فاطمة.. وعريسها أتقدم وهتتجوز. وجايباها تشوف أختها قبل ما تروح بيت جوزها.. وجايباها تعرف الطريق، عشان لو جرالي حاجة في أي وقت، يبقوا عارفين طريق بعض ولا يتفرقوش تاني.”
​الست فاطمة هزت راسها بدموع وقالت: “حقك عليا يا صفية.. والله شايلالها في عيني، وربنا يعلم إني عامليتها كأنها حتة مني.”
​وفجأة، اتفتح باب الأوضة الجوانية.. وخرجت منها أحلام.
​وقف الزمان في اللحظة دي. عيني جت في عينها. كانت هي.. أحلام! كبرت،

ملامحها اتغيرت شوية وبقت آنسة زي العسل، بس نفس العيون الحنينة، ونفس الشامة الصغيرة اللي جنب شفايفها. أحلام أول ما شافتني، سابت اللفة اللي كانت في إيدها، وصرخت بصوت واطي: “عبير!”
​جرينا على بعض وعيطنا بالدموع اللي حابسينها من تمان سنين. اترسخت في حضنها كأني كنت غرقانة ولقت البر. عياطنا كان بيهز البيت، مسكت وشها بإيديا أتعرف على ملامحها، وهي تمسح دموعي وتقولي: “وحشتيني يا عبير.. والله ما نسيتك يوم، والله كنت بسأل عليكِ كل ليلة.”
​قعدنا الأرض تحت رجلينا ومش قادرين نسيب إيدين بعض. وسط دموعنا وحضننا اللي ما بيخلصش، بدأت الست فاطمة تتكلم، وحكتلي السر اللي عاش مخفي تمان سنين، السر اللي غير حياتنا كلها.
​قالتلي الست فاطمة وهي بتبص لأمي بامتنان وحزن: “أنا يا بنتي ست ربنا ما رزقنيش بالخلفة، وجوزي الله يرحمه سابني من زمان من غير سند ولا ظهر. في ليلة المولد من تمان سنين، أمك جاتلي هنا وهي شايلة أحلام في إيدها. أمك كانت مكسورة، أعمامك كانوا حارمينكم من اللقمة بعد موت أبوكم، وجدتك ست كبيرة ومش قادرة تصرف على مدرستكم واحتياجاتكم انتوا الاتنين. أمك شافت إن الدنيا ضيقة أوي، وإنها لو فضلت شايلاكم انتوا الاتنين بالطريقة دي، مش هتقدر تعلمكم ولا تعيشكم مستورين.”
​كملت الست فاطمة وهي بتمسح دموعها: “أمك اتفقت معايا على سر.. قالتلي: ‘يا فاطمة، انتي نفسك في حتة عيل يتولى أمرك، وأنا عندي بتين مش عارفة أربيهم من الفقر وظلم الأعمام. أنا هسيبلك أحلام تتوليها وتصرفي على تعليمها وتعتبريها بنتك، والمبلغ الصغير اللي هيطلع من شغلي وشغلك هيروح لمصاريف مدرسة عبير، وبكده البتين يتعلما وما يترموش في الشارع.’ أمك ما بعتش أختك يا عبير.. أمك ضحت بقلبها عشان تنقذكم انتوا الاتنين!”
​بصيت لأمي وأنا مش مصدقة. أمي اللي كنت فاكراها قاسية ومش حاسة بينا، أمي اللي كنت بظن إنها اتخلت عن بنتها.. كانت بتتحمل نار الشوق والوجع كل يوم عشان إحنا نعيش ونتعلم.
​أحلام كملت كلامها وهي بتبص لأمي بحب: “أمي كانت بتيجي تجيبلي مصاريف المدرسة بنفسها كل شهر يا عبير.. كانت بتيجي تزورني في السر كل ما تقدر، تقعد تبصلي وتعيط وتطمن عليا وتوصي خالتي فاطمة عليا. أمي عمرها ما سابتني، بس كانت حارمة نفسها من كلمة ‘ياما’ قدام الناس عشان حمايتنا وعشان أعمامنا ما يضايقوناش ولا يأذونا.”
​الست فاطمة كانت ست طيبة وأمينة، راعت ربنا في أحلام، علمتها وربتها أحسن تربية، وكانت بتسمح لأمي تشوفها دايماً، وكان بيتها بمثابة الملجأ والأمان اللي اتغرمت بيه أختي.
​أمي قامت من مكانها، وجات قعدت جنبنا على الأرض. لأول مرة من عشر سنين، شفت دموع أمي نازلة على خدها. إيديها المتقشفة مسكت إيدي وإيد أحلام، وضمتهم على بعض وقالت بصوت مكسور ومبحوح: “سامحيني يا عبير.. سامحيني يا بنتي إن إخفيت عليكي. أعمامك كانوا يدوروا على أي حجة عشان يأذونا أو ياخدوكم يوزعوهم على البيوت يخدموا. كان لازم أضحي، كان لازم أبان جبل وقاسية عشان أحميكم. بس دلوقتي انتي كبرتي، وهتروحي بيت جوزك.. كان لازم أعرفك طريق أختك، عشان لو أخد ربنا أمانته، تبقوا إيد واحدة وسند لبعض، وما تتفرقوش تاني أبداً.”
​حضنت أمي بقوة، وبست إيديها ورجلها وأنا بصرخ وبقولها: “سامحيني انتي يا امي.. سامحيني إني ظنيت فيكي شر.”
​قضينا الليلة دي كلنا في حضن بعض. كانت أطول وأجمل ليلة في حياتي. المولد اللي كنت بظن إنه خطف أختي، كان هو المكان اللي رجعهالي. أختي أحلام اللي كبرت وبقت عروسة هي كمان، وقفت معايا في فرحي، وجوزي محمود تفهم كل حاجة وكان سند لينا، ورجعت الأخت لأختها، والدم لدمه.
​عرفت ساعتها إن قسوة الأم في أوقات كتير ما بتكونش غير غلاف متغطي بيه حنان مالوش حدود، وأن الظروف لما بتجبرنا على الفراق، الحب الصادق هو اللي بيرجعنا من تاني.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى