
في صباح اليوم التالي، استيقظت على عشرات الاتصالات الفائتة من أبي. رسائل متتالية: “أين أنت؟” “يجب أن نتحدث.” “لا تجعل الناس تتدخل بيننا.” ضحكت بسخرية. الناس؟ أي ناس؟ هو نفسه كان مستعدًا لرميي في الشارع قبل يومين. رن الهاتف مجددًا. هذه المرة أجبت. جاء صوته هادئًا بشكل مصطنع: “سالم، ارجع إلى البيت ونتفاهم.” أخذت رشفة من الشاي قبل أن أقول: “ظننت أنه لا مكان للفاشلين في منزلك.” ساد الصمت. ثم قال بحدة: “كنت غاضبًا فقط.” أجبته ببرود: “وأنا أيضًا.” ثم أغلقت الخط.
بعد ساعات، انتشر خبر غريب داخل العائلة. الحسابات البنكية الخاصة ببعض شركات أبي تعرضت للتجميد المؤقت. البنوك بدأت تطالب بضمانات إضافية. ومشروع عقاري ضخم توقف تمويله فجأة. الذعر بدأ يتسلل إلى حياته المثالية. أما موزة فبدأت تدرك للمرة الأولى أن المشكلة الحقيقية لم تكن أنا. بل أن كل شيء بنوه كان قائمًا فوق أرض متصدعة.
في المساء، تلقيت اتصالًا من رقم مجهول. أجبت بحذر. جاءني صوت لؤي. لكن ليس بصوته…
بالكامل.
قال أخيرًا: “كنت خائفًا.”
عبست: “ممن؟”
نظر إليّ مباشرة وقال: “من أن تخسرني رحمة كما خسرت فهد.” شعرت بشيء ينهار داخلي. أكمل بصوت مبحوح: “في البداية كنت أريد فقط أن أكون مكانه، ثم مع السنوات أصبحت لا أحتمل فكرة أنك قد تعرف الحقيقة وتتركني.” سكت قليلًا ثم قال: “لهذا حاولت السيطرة على كل شيء.” أغمضت عيني. كل هذا الخراب بدأ بالخوف.
وقفت ببطء ثم قلت: “أنت لم تخسرني عندما عرفت الحقيقة.” رفع رأسه نحوي بسرعة. أكملت: “أنت خسرتني يوم قررت أن تجعلني أعيش خائفًا منك.” امتلأت عيناه بالدموع للمرة الأولى. لكنه لم يتكلم. أما أنا فاتجهت نحو الباب. وقبل أن أخرج، سمعته يقول بصوت مكسور: “سامحني يا سالم.” توقفت للحظة. دون أن ألتفت، ثم قلت بهدوء: “أدعو الله أن أسامحك يومًا.” وغادرت.
مرت الشهور بعدها بهدوء غريب. بعت بعض أملاك راشد لتسديد جزء من ديونه وإنقاذ اسم العائلة من الانهيار الكامل. أما لؤي فترك لندن بعد أشهر، وبدأ يعمل في الشركة من الصفر. لأول مرة في حياته دون حفلات أو تفاخر. وأنا التحقت بالجامعة التي حلمت بها. ليس لأنني أردت إثبات شيء لأحد. بل لأنني أخيرًا صرت أعيش لنفسي.
أما الفيلا المطلة على البحر فاحتفظت بها. ليس لأنها أغلى أملاك أمي. بل لأنها المكان الوحيد الذي شعرت فيه يومًا أنها ما تزال قريبة مني. وفي إحدى الليالي، وقفت وحدي في الشرفة، والهواء البحري البارد يضرب وجهي. أخرجت صورة أمي القديمة. ابتسمت لها بصمت. ثم همست: “كنتِ محقة يا أمي، القوة ليست أن تملك المال.” نظرت إلى أضواء دبي البعيدة وأكملت: “القوة أن تعرف متى ترحل، ومتى تعود، ومتى تتوقف عن انتظار الحب من الأشخاص الخطأ.” وفي تلك اللحظة، لأول مرة منذ سنوات طويلة، شعرت أنني حر فعلًا.




