
العريس الغامض
في يوم الزفاف، شافت إيلينا ليام لأول مرة.
كان جالس بهدوء على كرسي متحرك قدام قاعة الاحتفال، لابس بدلة أنيقة. جلسته ثابتة، ملامحه وسيمة بشكل يخطف النظر، لكن عيونه كان فيها حزن عميق كأنه شايل عمر كامل من الصمت.
والأغرب إنه رغم حر الصيف، كان لابس بنطلون ثقيل ومفصّل بعناية يغطي رجوله بالكامل.
الضيوف يتهامسون بينهم.
«يا حرام… وسيم، بس يقولون فقد رجوله».
«لا، أنا سمعت إن الجزء السفلي من جسمه انحــ,رق بحــ,ادث بشع».
إيلينا سمعت كل كلمة، لكنها ما ردّت.
كانت تناظر الرجل الهادي اللي صار زوجها قبل دقائق، وتحاول تفهم ليش قلبها مو خائف منه… بل موجوع عليه.
ليلة الزواج
في وقت متأخر من نفس الليلة، داخل جناح العروسين، كان الصمت ثقيل.
ليام جلس على طرف السـ,رير، والكرسي المتحرك بجانبه.
وفجأة… وقف.
شهقت إيلينا وتراجعت خطوة.
قالت بصوت مرتجف: «إنت… تقدر
تمشي؟»
ابتسم ليام ابتسامة خفيفة ومريرة.
«إيه يا إيلينا. أنا مو مشلول. بس هذا السبب اللي يخلي أغلب النساء ما يقدرون يطالعون فيني».
وببطء، رفع قماش البنطلون إلى ركبتيه.
انحبس نفس إيلينا في حلقها.
كانت رجول ليام مغطاة بندوب حروق عميقة. الجلد ملتوي، غير متساوٍ، والآثار قاسية وواضحة… كأن نار قديمة مرّت من هناك وتركت وجعها للأبد.
لكن بدل ما تشعر بالقرف، بدأ قلب إيلينا يركض.
اتسعت عيونها وهي تحدق في ندبة معيّنة على ساقه اليمنى… ندبة على شكل نصف قمر، نفس العلامة اللي ظلت تطارد أحلامها من يوم كانت طفلة، يوم مدّ لها ولد مجهول يده وسط الدخان وأنقذها من بيت يحترق… ثم اختفى قبل لا تعرف اسمه.
ارتجفت شفايفها، ومدّت يدها نحو الندبة وهي تهمس: «ليام… مستحيل… إنت هو؟»
رفع عيونه لها، ولأول مرة انكسر هدوءه بالكامل… كأنه كان ينتظر هذه اللحظة من سنوات، لكن الشي اللي قاله بعدها خلا دموعها توقف في عيونها…
كملوا القصة في التعليقات وشوفوا وش اعترف لها…ليام ظلّ ساكت ثواني طويلة… كأنه يحاول يجمع صوته من وسط ذاكرته.
عينه ما كانت على الندبة فقط،
بل على إيلينا نفسها… كأنه يشوف فيها شيء أعمق من مجرد زوجة.
قال أخيرًا بصوت مبحوح: «ما توقعت أبدًا إنك تتذكريها… ولا توقعت إني أعيش لليوم اللي أعرف فيه إنك كنتِ أنتِ البنت اللي أنقذتها النار، وأنا اللي طلعتك من البيت…»
إيلينا رجعت خطوة للخلف، ودموعها بدأت تنزل بدون سيطرة.
«إنت… إنت كنت هناك؟ كنت الولد اللي مسكني؟»
هز رأسه ببطء، وابتسامة حزينة كسرت ملامحه: «كنت طفل وقتها. بيت الجيران اشتعل، وكل الناس كانت تصرخ وتطلع برا. بس أنا دخلت من الشباك… ولقيتكِ محشورة تحت باب مكسور. شلتك وطلعتك… وبعدين… انهار كل شيء علي.»
سكت لحظة، وكأنه يرجع يعيش الألم.
«رجولي اتحرقت وقتها. ومن يومها، حياتي كلها اتغيرت. أبوي قرر يخبيني عن العالم… مو عشان يخاف عليّ… بل عشان يخاف عليّ من نظرات الناس.»
اقتربت إيلينا منه، صوتها يرتجف: «عشان كذا أمك… عرضت علي الزواج؟»
هز رأسه: «أمي كانت تدور شخص يشوفني أنا… مو الشفقة. مو الصورة اللي الناس رسموها عني. ولما شافوكِ… قالت إنك الوحيدة اللي يمكن تفتكرين الرحمة اللي بيننا من زمان.»
سكت.
وبعدين أضاف بصوت
أخفض: «بس أنا ما كنت أعرف إنك أنتِ نفس البنت… ولا كنت أتخيل إن الدنيا ممكن ترجع تجمعنا كذا.»
إيلينا غطّت وجهها بإيدها، دموعها تنزل بحـ,رقة مختلفة… مو وجع، بل صد,مة امتنان.
«أنا طول عمري كنت فاكرة إنك اختفيت… كنت فاكرة إني نسيتك… لكن الحقيقة إنك كنت السبب إني أعيش.»
ليام ابتسم لأول مرة بصدق، خطوة صغيرة منه تقرّبها: «والأغرب… إنك أنقذتيني من حياتي أنا كمان. مو أنا اللي محتاج رحمة… أنا كنت محتاج حد يشوفني بدون ما يهـ,رب.»
الصمت بينهما تغيّر.




