
فريد بصله بنظرة تحذيرية: “كريم! أنا قولت كلمتي. سيبها في حالها، ومش عايز أسمع سيرة الموضوع ده منك تاني. أنت فاهم كويس إن أمك بتتصرف تصرفات ساعات مش مفهومة، ومش عايزك تكون جزء من أي مشكلة.”
كريم عمل نفسه متفهم، لكن في عينه كانت لسه لمعة فضول مش هتطفي بسهولة. صافية، اللي كانت بتعدي من جنبهم بالظبط وهي بتحط طبق مخلل على السفرة، سمعت آخر كلمتين من كلام كريم عن “لونها القمحاوي”، قلبها دق بسرعة، وعرف إن هو ده الشاب اللي شافته في المطبخ. حست إن الأرض بتتهز تحت رجليها، وخافت أوي.
بعد الفطار، صافية كانت على أعصابها. كل كلمة سمعتها بين فريد وكريم كانت بترن في ودانها. الخوف كان مسيطر عليها من مدام نيفين، ومن كريم اللي باين عليه استهتار، ومن نظرة فريد الحادة. كل اللي كان في دماغها دلوقتي إنها تلحق تروح الجامعة، يمكن هناك تحس بإنها بني آدمة ليها قيمة.
خلصت شغلها بسرعة، وخرجت تتسحب من الباب الخلفي للفيلا، اللي كان جنب أوضة الخدم. كانت متأخرة على أول محاضرة، فكانت بتجري على قد ما تقدر في الشارع اللي كان لسه هادي نسبيًا. شنطتها القديمة بتتهز على كتفها، وخطواتها سريعة، وعينيها على الساعة اللي في إيدها.
وفي نفس اللحظة دي، فريد كان خارج بعربيته الفخمة من بوابة الفيلا الرئيسية. كان دماغه مشغولة بأوراق الشغل والقضايا، ومكنش مركز أوي في الشارع. طلع بالعربية ومشي.
الكاتبة ملك إبراهيم
صافية كانت بتعدي الطريق من زاوية ضيقة، ومكنتش شايفة العربية اللي جاية من الناحية التانية. وبسرعة رهيبة، عربية فريد ظهرت قدامها. فريد شافها في آخر لحظة، وداس فرامل العربية بكل قوته. صوت الفرامل كان عالي ومخيف، والعربية وقفت على بعد سنتي واحد من صافية.
صافية صرخت صرخة مكتومة، وحست إن قلبها هيطلع من مكانه. رجلها متلخبطتش، ووقعت على الأرض من شدة الخوف، وهي بتضم نفسها كأنها بتحمي نفسها من الخبطة اللي كانت على وشك إنها تحصل. عينيها كانت مقفولة جامد، ومش قادرة تفتحها.
فريد نزل من عربيته بسرعة البرق، وجري ناحيتها وهو وشه أصفر. “أنتِ كويسة؟ يا آنسة، أرجوكي ردي عليا. حصلك حاجة؟” صوته كان كله قلق.
صافية رفعت راسها ببطء، فتحت عينيها اللي كانت مليانة دموع، وبصت لفريد. للحظة، فضلت عينيها متعلقة بيه، مش مصدقة إنها لسه عايشة. الشاب الأنيق اللي كان قاعد على سفرة الفطار، واللي هو ابن خالها، كان واقف قدامها.
“أنا… أنا كويسة.” قالتها بصوت مرتعش، وهي بتحاول تقوم.
فريد مد إيده بسرعة عشان يساعدها، ولمس إيدها بخفة. “يا خبر أبيض! أنا آسف جدًا. مكنتش مركز أبدًا. أنتِ اتخضيتي، أنا متأكد. قومي بالراحة.”
صافية قامت بصعوبة، وهدومها كانت عليها تراب خفيف. “حصل خير.”
فريد بصلها بتفحص، عيونه كانت بتدور على أي إصابة. ساعتها بس، انتبه لملامحها. عيونها الواسعة، وشها القمحاوي، بساطتها اللي خلتها مختلفة عن كل البنات اللي بيشوفهم كل يوم. وفي نفس الوقت، حس إن ملامحها دي مش غريبة عليه.
“أنتِ… أنتِ مين؟” سألها فريد بذهول. كان حاسس إن في حاجة مش مظبوطة. البنت دي مش من الخدم اللي بيشوفهم. وشها كان فيه براءة وحياء مش معتاد عليهم.
صافية ارتبكت، وحست بالخوف تاني. “أنا صافية.” قالتها بصوت واطي، وهي مش عايزة تقول اسمها بالكامل عشان متعملش لنفسها مشاكل أكتر.
فريد حس بصدمة خفيفة. صافية؟ يبقى هي دي بنت خاله اللي مامته اتكلمت عنها، واللي كريم كان بيتهامس عليها الصبح!
“صافية… أنتِ صافية بنت خالي؟” قالها وهو بيحاول يستوعب اللي حصل.
صافية هزت راسها بالإيجاب، وبصت للأرض تاني.
النظرة اللي كانت في عيون فريد اتغيرت تمامًا. القلق اتحول لغضب خفي، بس المرة دي موجه لنفسه، ولامه، ولأخوه كريم. “أنا آسف جدًا يا صافية. أنا بجد آسف. مكنتش أعرف إنك أنتِ.”
أنا آسف جدًا يا صافية. أنا بجد آسف. مكنتش أعرف إنك أنتِ.” قال فريد، ووشه كان باين عليه تأنيب الضمير. “قومي أطمن عليكي الأول، وبعدين هوصلك الجامعة. أكيد اتأخرتي.”
صافية كانت لسه مصدومة ومش مستوعبة. “لا لا يا أستاذ فريد، مفيش داعي، أنا كويسة وهروح لوحدي.” قالتها بسرعة، وقلبها كان بيدق خوفًا من مدام نيفين لو عرفت اللي حصل، أو لو شافت فريد بيوصلها. ده أكيد هتبقى كارثة.
فريد لاحظ الخوف في عينيها. الخوف ده كان مألوف عنده، كان بيشوفه في عيون ناس كتير بتتعامل مع أمه. “اسمعي يا صافية، مفيش حاجة اسمها مفيش داعي. أنا اللي كنت أخبطك، ولازم أطمن عليكي وأوصلك بنفسي. ومش هستنى كلمة منك.” وقرب منها خطوة.
شاف الارتباك والخوف في عيونها، مسك إيديها بحزم بس بحنية في نفس الوقت، وقبل ما تعترض، فتح باب عربيته وركبها غصب عنها. صافية مكانش قدامها حل غير إنها تركب وهي ساكتة، حاسة إنها دخلت في دوامة هتخلصها امتى وإزاي، الله أعلم.
طول الطريق، فريد كان بيحاول يلطف الجو. “أنتِ في سنة كام في الجامعة؟ وأي كلية؟” سألها عشان يكسر حاجز الصمت اللي كان بينهم.
صافية ردت عليه بصوت خافت: “سنة أولى حقوق.”
“صافية، إيه اللي حصل؟ إيه اللي عمل فيكِ كده؟”
قبل ما صافية تلحق تتكلم، كريم وصل، ووشه كان أحمر من الغضب.
“سيبها يا فريد، دي بتاعتي أنا. كانت بتلعب معايا لعبة القط والفار.”
كريم كان بيقرب، وبيقصد ياخد صافية من حضـ,ـن فريد. لكن فريد، ومن غير أي تفكير، نزل إيده على وش كريم بقوة، صوت الخبطة رن في الجنينة.
“أنت اتجننت يا كريم؟ إزاي تتكلم كده؟ أنت إنسان زبالة! إزاي تفكر إنها لعبة؟” صرخ فريد فيه، عينه كانت بتطلع شرار.
كريم كان مصدوم من أخوه اللي عمره ما مد إيده عليه. مسك وشه بإيديه، والغضب مسك فيه هو كمان.
“أنت بتمد إيدك عليا يا فريد؟ عشان مين؟ عشان خدامة؟ دي متسواش أي حاجة!”
قبل ما فريد يلحق يرد، صوت صارخ اخترق الجو: “إيه اللي بيحصل هنا؟”
كانت مدام نيفين، اللي يا دوبك نزلت من العربية وشافت المنظر ده. أولادها بيتخانقوا وواحد منهم مضروب، وصافية واقفة في نص الخناقة وشكلها مبهدل. جن جنونها.
“كريم! فريد! إيه اللي بيحصل؟ أنتِ يا صافية! إيه اللي عملتيه في البيت ده؟ إيه الوقاحة دي؟” صرخت مدام نيفين، وهي بتشاور على صافية بإيدها اللي كانت بتترعش من الغضب. “أنتِ جاية هنا عشان تفرقي ولادي؟ أنا قلتلك إنك مش هتعدي من هنا من غير مشاكل!”
فريد حاول يدافع عن صافية: “ماما، أنتِ فاهمة غلط. كريم هو اللي…”
قاطعت نيفين كلامه: “فاهمة غلط إيه؟ مش شايفة شكل البنت؟ وشايفة وش كريم؟ أنا استحملتك كتير، بس توصل إنك تخربي بيتي وولادي؟ لا والف لا! لحظة واحدة متقعديش هنا!”
صافية كانت بتبكي بصمت، حاسة إن الدنيا كلها اتقفلت في وشها. كل أحلامها بتنهار تاني. بصت لفريد بنظرة رجاء.
فريد بصلها بحنان، وبعدين بص لأمه بنظرة تحدي.
“تمام يا ماما. لو صافية هتمشي، يبقى أنا كمان همشي معاها. أنا مش ممكن أعيش في بيت بيحصل فيه الظلم ده.”
الكلمة دي كانت صدمة لمدام نيفين ولكريم.
فريد مسك إيد صافية بحزم، وبصلها في عينيها.
“متخافيش يا صافية، أنا معاكِ.”
من غير أي تردد، فريد خد شنطة صافية القديمة، وخرج بيها من الفيلا، ووراها صافية اللي كانت مصدومة من سرعة الأحداث. كانت مش عارفة هي رايحة فين، بس حاسة بالأمان وهي إيدها في إيد فريد.
ركبوا العربية، وفريد ساق بهدوء.
“صافية، أنا عندي شقة ليا لوحدي، بعيد عن كل ده. أنا عارف إنك مالكيش مكان تاني تروحيه، وهتقدري تقعدي هناك وتكملي دراستك. بس عشان تكوني في أمان، وبعيد عن أي كلام ممكن يتقال، أنا بطلب منك إننا نتجوز. جواز على ورق، لحد ما تخلصي جامعتك، وبعدها ممكن نطلق لو ده اللي عايزاه.”
صافية مكانتش مصدقة اللي بتسمعه. الجواز؟ من فريد؟ الشاب اللي كل يوم كان بينورلها طريقها للجامعة. بصتله وعينيها مليانة دموع، بس المرة دي دموع فرحة وامتنان.
“أنت… أنت بجد عايز كده؟”
ابتسم فريد، إيده ضغطت على إيدها بحنان.
“أنا عايزك تكوني في أمان، وعايزك تكملي تعليمك وتحققي كل أحلامك. وبعدين، أنا خلاص حبيتك يا صافية، وده أكتر سبب يخليني عايزك تكوني مراتي بجد.”
مرت الأيام، وصافية وفريد اتجوزوا بالفعل. عاشت صافية في شقته الهادية، وكملت دراستها بتفوق. فريد كان سند ليها، بيشجعها ويدعمها في كل خطوة. العلاقة اللي بدأت كحل مؤقت، اتحولت لحب حقيقي وعميق. صافية اكتشفت في فريد الزوج الحنون والسند القوي، وفريد اكتشف في صافية الشريكة اللي كملت حياته.
بعد تخرجها من الجامعة بتفوق، وعملها كمديرة في أكبر مكاتب المحاماة في مصر، وقفت صافية قدام فريد وهي بتمد إيدها له، مش عشان تطلب الطلاق زي ما اتفقوا، لكن عشان تقوله إنها بتحبه، وإنها عايزة تكمل حياتها معاه.
أما كريم، فبعد فترة من الضياع، فريد قدر يقف جنبه ويساعده إنه يستقيم ويلاقي نفسه في الشغل، وبقى أخوه اللي كان بيحبه زمان. مدام نيفين، مع الوقت، فهمت غلطتها واعتذرت لصافية، وندمت على معاملتها، وبقت صافية بنتها اللي عمرها ما خلفتها.
وانتهت الرواية بحياة سعيدة لفريد وصافية، اللي حبهم كان أقوى من كل الصعاب.
النهاية




