
ستهب عاصفة.
أحتاج إلى تفقد البئر.
الدقيق في الدرج العلوي.
لا شيء أكثر.
ومع ذلك، ففي اليوم الثامن، تغيّر شيء.
استيقظت كلارا في جوف الليل على صوت خشن مكتوم، يشبه أنين رجل يحاول ألّا يُصدر صوتًا. خرجت من الغرفة، فوجدت إلياس على الأرض قرب الموقد، يضغط بيده على أحد جانبي رأسه. كان وجهه منقبضًا من الألم، وجلده مبللًا بالعرق، وجسده مشدودًا كحبل على وشك الانقطاع.
چثت كلارا إلى جانبه.
ما بك؟
لم يكن يستطيع أن يسمعها، بطبيعة الحال. لكنه رأى حركة شفتيها، وبيد مرتجفة راح يبحث عن الدفتر. كتب بالكاد كلمتين مائلتين.
يتكرر كثيرًا.
لم تصدقه كلارا. لا أحد يقول عن شيء يتكرر كثيرًا وهو ينتهي على هذه الحال، يتلوى فوق الأرض.
أحضرت له قطعة قماش مبللة، وساعدته على الاستلقاء، وبقيت إلى جانبه حتى بدأ التشنج يهدأ. وقبل أن يغلبه النوم، كتب جملة واحدة.
شكرًا.
ومنذ ذلك الحين، بدأت كلارا تلاحظ. رأت كيف كان، في بعض الصباحات، يرفع يده إلى الجانب الأيمن من رأسه بحركة لا إرادية. ورأت بقع الډم على الوسادة. ورأت الطريقة التي كان يكبت بها ألمه، كما لو أنه جعله جزءًا من روتينه اليومي. وفي إحدى الليالي، سألته كتابةً منذ متى وهو على هذه الحال.
أجاب إلياس
منذ الطفولة. قال الأطباء إنه مرتبط بصممي. وإنه لا علاج له.
فكتبت كلارا ردًا
هل صدّقتهم؟
تأخر في الرد.
لا.
وبعد ثلاث ليالٍ، سقط إلياس من الكرسي في أثناء العشاء. دوّى الارتطام جافًا فوق الأرض. هرعت كلارا إليه. كان يتشنج من الألم، ممسكًا برأسه. قرّبت مصباحًا إلى جانب وجهه، وأبعدت شعره برفق، ونظرت داخل أذنه الملتـ,هبة. فما رأته جمّد الډم في عروقها.
كان هناك شيء.
شيء داكن.
شيء حي.
كان يتحرك.
تراجعت كلارا لحظة، وقلبها يكاد ينفجر، ثم أخذت نفسًا عميقًا كمن يُلقي بنفسه في الهاوية. أعدّت ماءً ساخنًا، وملقطًا دقيقًا للخياطة، وكحولًا. كان إلياس شاحبًا، مبللًا بالعرق، ينظر إليها بريبة وخوف. فكتبت بيد ثابتة
هناك شيء داخل أذنك. دعني أخرجه.
هزّ رأسه پعنف. وانتزع منها الدفتر وكتب
إنه خــ,طړ.
أخذت كلارا القلم وردّت
الأخطر أن يبقى هناك. هل تثق بي؟
ثبت إلياس نظره عليها لثوانٍ طويلة بدت أبدية. ثم، ببطء شديد، أومأ.
بدأت كلارا تعمل
ويدها ترتجف، لكن القرار كان ثابتًا في صدرها. أدخلت الملقط ببطء شديد، بينما كان هو يتمسك بحافة الطاولة حتى شحب وجهه. شعرت بمقاومة. ثم شدّة. وفجأة، خرج شيء يتلوّى بين المعدن.
أم أربعة وأربعون طويلة، داكنة، مغطاة پالدم.
سقطت في قارورة زجاجية فيها كحول. حدّقت كلارا فيها مذعورة. أما إلياس، فنظر إليها هي وعندها انهار.
لأول مرة منذ عرفته، بكى.
لم تكن دموعًا صامتة، بل شهقات عميقة ممزقة، شهقات رجل استعاد دفعة واحدة خمسًا وعشرين سنة من الحقيقة. غطّى وجهه بيديه، منحنِيًا تحت وطأة ألم قديم لم يعد جسديًا، بل صار ألمًا في الروح.
عانقته كلارا من غير تفكير.



