
والسبب؟ “الميراث”.
مراتي كانت ورثت أرض كبيرة ومبلغ ضخم من أهلها قبل ولادتها بأيام، وحازم كان غرقان في الديون وشيكات هتتحبس بسببها، فقرر يخلص منها عشان أنا الوريث الوحيد ليها (بصفتي جوزها وأبو ابنها)، وكان ناوي بعد ما تتدفن يقنعني أبيع الأرض ويسدد ديونه، أو يخلص مني أنا كمان بعدها..
الشيطان عماه وخلاه يقـ,ـتل روح بريئة، وييتم طفل لسه مولود، ويحرق قلب أخوه، عشان “فلوس” زائلة..
حازم والدكتور خدوا حكم بالإعدام شنقاً جزاء اللي عملوه..
وأنا عشت أربي ابني وأحكيله عن أمه الشهيدة اللي حقها رجع بفضل رسالة دم..
العبرة من القصة:
“إن الله يمهل ولا يهمل.. والظلم ظلمات يوم القيامة.. مهما حاول المجرم يخفي جريمته، ربنا لازم يكشف الستر عشان الحق يرجع لأصحابه.. والدم عمره ما بيبقى مية، بس للأسف، أحياناً الطمع بيخلي الأخ يقـ,ـتل أخوه.. فاحذروا من فتنة المال لأنها بتعمي القلوب.”
“ربنا يرحم كل نفس مـ,ـاتت غدر، ويحفظنا من شر النفوس المريضة.”
—
مرت سنين طويلة بعد الحادثة…
كبر ابني “يوسف”، وبقى شبه أمه بشكل يخوف.
نفس العيون الواسعة… ونفس الابتسامة الهادية.
كنت كل ليلة قبل ما ينام، أقعد جنبه وأحكيله عن أمه.
أحكيله قد إيه كانت طيبة… قد إيه كانت بتحبه قبل حتى ما يتولد.
وكل ما أسأله:
ـ نفسك تبقى إيه لما تكبر يا يوسف؟
كان يرد بنفس الإجابة كل مرة:
ـ دكتور… بس مش أي دكتور… أنا عايز أبقى دكتور ينقذ الناس.
الكلمة دي كانت بتكسر قلبي وتفرحني في نفس الوقت.
عدت عشرين سنة…
يوسف دخل كلية الطب، واتخرج منها بتفوق.
وفي يوم من الأيام، وهو بيرتب أوراق قديمة في البيت، لقى صندوق صغير كنت مخبيه.
فتح الصندوق…
وكان جواه الورقة اللي أمّه كتبتها بدمها.
جالي وهو ماسكها وإيده بترتعش وقال:
ـ بابا… دي إيه؟
سكت لحظة طويلة… وبعدين قلتله الحقيقة كلها لأول مرة.
حكيتله عن اللي حصل… عن الجريمة… عن القبر… وعن آخر رسالة كتبتها أمه عشان حقها يرجع.
يوسف سكت… ودموعه نزلت بهدوء.
وبعدين قال جملة عمرها ما هتخرج من دماغي:
ـ أمي ماتت عشان الظلم…
بس أنا هعيش عشان محدش يتظلم تاني.
ومن اليوم ده…
يوسف اختار تخصص الطب الشرعي.
كان بيقول دايمًا:
ـ لو مكنش فيه دكتور شرعي كشف الحقيقة… حق أمي كان هيضيع.
بعد سنين، بقى واحد من أشهر أطباء الطب الشرعي في البلد.
وفي يوم من الأيام…
كان واقف قدام قبر أمه لأول مرة وهو كبير.
حط إيده على الرخام وقال بهدوء:
ـ متخافيش يا أمي…
رسالتك وصلت… وحقك رجع…
وابنك كبر… وبقى يحمي الحق زي ما انتي حاولتي تحميه بآخر نقطة دم.
وساعتها…
حسيت لأول مرة من يوم مـ,ـوتها إن روحها ارتاحت فعلًا.
وإن صرختها اللي كانت بتيجيلي في الحلم كل ليلة…
اختفت للأبد.
—




