منوعات

كان يتلقى هدية مجهوله كل عام

جلس أمامه.

— وفي يوم فهمت أنني لا أستطيع رد الجميل لها. لكن يمكنني أن أحمي ما كانت تحبه أكثر.

— أنا…

— أنت.

لم يعد الصمت غريبًا.

— كيف كنت تعرف ما أحتاجه كل عام؟

ضحك الرجل بخفة.

— لم يكن سحرًا. كان انتباهًا.

أحضر صندوقًا معدنيًا قديمًا. بداخله دفاتر.

— عملت سنوات ساعيًا ثم سائقًا. كنت أمرّ بحيّك كثيرًا. لم أقترب. لم أتحدث معك. لكنني كنت أراقب. أسأل بلطف. أحيانًا يتحدث الجيران دون أن يدركوا أنهم يساعدون.

فتح دانيال أحد الدفاتر. كانت هناك تواريخ وملاحظات:

«يصعب عليه

حمل الحقيبة.»
«سأل عن قاموس في المكتبة.»
«ينظر إلى حذاء في الواجهة.»
«يريد دخول فريق الكرة لكنه متردد.»

ابتلع دانيال ريقه.

— كنت هناك… طوال الوقت.

— ليس لأتجسس — قال الرجل بهدوء — بل لأبقي الوعد حيًا.

قلّب دانيال الصفحات ببطء.

لم يكن في الأمر سيطرة.

بل رعاية.

رعاية صامتة لم تطلب شيئًا في المقابل.

— كان بإمكاني أن أعرّف بنفسي — تابع الرجل — لكن الهدايا كانت ستفقد معناها. لم أرد أن تشعر بأنك مدين لي بشيء. كانت لك. كما كانت الفرصة التي منحتني إياها أمك لي.

أغلق دانيال الدفتر.

وأدرك أن الأشياء لم تكن يومًا هي المهمة.

المهم كان الجسر الخفي بين ثلاث حيوات.

حين بدأت الشمس تميل إلى الغروب، خرجا إلى الفناء الصغير خلف البيت. كانت هناك شجرة برتقال.

— زرعتها في السنة التي وُلدت فيها — قال الرجل — لم أكن أعلم إن كنت ستأتي يومًا. لكنني أردت أن أؤمن بذلك.

لمس دانيال الجذع الخشن.

— كانت أمي تفعل ذلك — قال — كانت تزرع أشياء دون أن تعلم إن كانت ستراها تكبر.

— هكذا كانت.

وقفا صامتين، يسمعان ضجيج الشارع البعيد.

— وماذا الآن؟ — سأل دانيال — ماذا يحدث بعدما عرفت كل شيء؟

نظر إليه الرجل بهدوء.

— الآن لا يتغير شيء. أنا أتممت دوري. وعليك أن تقرر ماذا ستفعل بدورك.

— دوري؟

— السلسلة لا تنتهي بي — قال — أمك ساعدتني. وأنا رافقتك. لكن الأمر لم يكن ليبقى بيننا.

شعر دانيال بثقل الكلمات.

— ليس الأمر ردًا — أضاف الرجل — بل استمرار.

في تلك الليلة عاد دانيال إلى بيت عمته لورا

حاملاً صندوق الدفاتر.

نظرت إليه ما إن دخل.

— عرفت، أليس كذلك؟

أومأ.

ابتسمت بعينين دامعتين.

— أمك لم ترد أن ينقصك شيء… لكنها لم ترد أيضًا أن تكبر معتقدًا أن العالم قىاسٍ.

— ليس قىاسيًا — قال دانيال — فقط… يحتاج وقتًا ليُظهر معناه.

جلسا يتصفحان الدفاتر. كانت لورا تتعرف على حكايات كان يكتشفها لأول مرة.

— لطالما شعرت أن أحدًا يحمينا — اعترفت — لكنني لم أتخيل إلى أي حد.

مرت الشهور.

بدأ دانيال الجامعة.

لم تعد الطرود تصل.

ومع ذلك، كلما نظر إلى الساعة في معصمه شعر أن شيئًا ما ما زال يرافقه.

لا كدين.

ولا كواجب.

بل كاتجاه.

وفي يوم، عند خروجه من الجامعة، رأى طفلًا جالسًا أمام مكتبة قرطاسية، يحدق في واجهة مليئة بالأدوات المدرسية. لم يكن يبكي. ولم يكن يطلب شيئًا. كان ينظر فقط.

توقف دانيال.

كانت الصورة مألوفة أكثر مما ينبغي.

دخل المتجر.

اشترى ما يلزم.

خرج وناوله للطفل دون أسئلة.

نظر الطفل إليه بدهشة.

— لماذا؟

فكر دانيال لحظة ثم قال:

— لأن أحدهم فعل الأمر نفسه من أجلي.

وغادر قبل أن يسمع الشكر.

وأثناء سيره فهم شيئًا كانت أمه تعرفه دائمًا:

الأفعال الصادقة لا تحتاج شهودًا.

بل تحتاج استمرارًا.

ومرت سنوات.

كان دانيال يزور الرجل صاحب شجرة البرتقال بين حين وآخر. لم يعودا يتحدثان كثيرًا عن الماضي. كانا يتحدثان عن أشياء بسيطة: العمل، الطقس، وصفات القهوة شديدة التركيز.

وفي إحدى الأمسيات، وهما يقطفان برتقالًا ناضجًا، قال الرجل:

— أمك ستكون فخورة.

ابتسم دانيال.

— لا أظن أن الأمر يتعلق بالفخر.

— إذن بماذا؟

نظر إلى الشجرة، إلى الأغصان الممتلئة، إلى السماء المفتوحة فوقهما.

— أظن أن الأمر يتعلق بأن يستمر هذا… فقط.

أومأ الرجل.

ولم يقل أي منهما شيئًا آخر.

لأن بعض الوعود لا تُشرح.

بل تُعاش.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى