
لم يشأ قصرا يلفت أنظار القرية.
أراد بيتا دافئا بيتا يشبه الطمأنينة.
كان يحرص على أن يبقى الطابع البسيط حاضرا الجدران بلون هادئ أرضية نظيفة حديقة صغيرة أمام الباب. زرع شجرتي ليمون وقال لأمه مبتسما حين تثمران سنصنع شراب الليمون معا. لم تكن الجملة عابرة كانت وعدا بالبقاء.
أخذ والده إلى أطباء مختصين في المدينة الكبرى. جلس في غرف الانتظار الطويلة كما لم يجلس من قبل بلا حراسة بلا جدول مزدحم فقط ابن ينتظر دوره مع أبيه. بدأت رحلة علاج طويلة لأمراض كان يمكن تجنبها لو توفرت الرعاية في وقتها لكنه لم يندم على ما مضى بقدر ما ركز على ما يمكن إنقاذه الآن. كان يمسك يد والده أثناء الفحوصات ويتظاهر بالقوة بينما قلبه يعتصره شعور بالتقصير.
أما أمه فكان يجلس معها ساعات طويلة في المطبخ الجديد يستمع إلى حكايات السنوات التي غاب عنها. كانت تتحدث ببطء كأنها تخشى أن تنتهي القصص سريعا. أخبرته عن مرض والده الذي اشتد ثم خف عن الليالي التي كانت تسهر فيها بجانبه عن الجيران الذين كانوا يطرقون الباب بدافع الشفقة أحيانا. أخبرته عن وفاة أخيه عن لحظة وصول الخبر عن بكاء الطفلة في ليالي الشتاء حين كانت تسأل أين أبي. وأخبرته عن شعورهم بالحرج كلما سألهم أحد عن الابن الثري الذي يعيش في الخارج بينما هم يكتمون الحقيقة.
كان الألم يتكشف طبقة بعد طبقة كأن جراح السنوات تحتاج إلى ضوء كي تلتئم.
سجل ابنة أخيه في أفضل مدرسة في المنطقة واشترى لها كتبا جديدة تفوح منها رائحة الورق الطازج وملابس تليق بطفلة في عمرها لا تحمل على كتفيها ثقل اليتم. كان يرافقها أحيانا بنفسه في أول أيامها يمسك يدها الصغيرة وكأنه يعوض أعواما من
الغياب. كانت تنظر إليه بفخر أمام زميلاتها وتقول بصوت خافت هذا عمي.
بدأ يشاركها واجباتها المدرسية. يقرأ معها القصص. يشرح لها مسائل الرياضيات بصبر رجل اعتاد الأرقام لكنه يتعلم هذه المرة معنى الأرقام في عيني طفلة.
في المساء كانوا يتعشون معا. مائدة بسيطة لكن عامرة بالدفء. خبز ساخن يخرج من الفرن قهوة تفوح رائحتها في أرجاء البيت أطباق متواضعة لكن محضرة بحب. كانت الضحكات تعود ببطء مترددة في البداية كأنها تخشى أن تفاجأ بحزن جديد ثم تصبح أكثر ثقة أعلى صوتا أكثر صدقا.
تعلم أن يزرع شجرة في الحديقة وأن ينتظر نموها بصبر. تعلم أن يصلح مقبض باب بيديه بدل أن يطلب من موظف في شركة صيانة دولية أن يعتني بأمره. تعلم أن
يجلس بلا هاتف ساعات طويلة ينظر إلى السماء أو يستمع إلى صوت الريح بين الأشجار. اكتشف أن الصمت هنا مختلف ليس صمت مكاتب فاخرة بل صمت يحمل طمأنينة.
بدأ أهل القرية ينظرون إليه لا بوصفه الرجل الثري العائد بل بوصفه الابن الذي عاد أخيرا. لم يعد يهتم بالهمسات أو الإشاعات. كان يكفيه أن يرى والديه يسيران في السوق ورأسيهما مرفوعان.
وفي أحد الأيام بينما كانت الشمس تميل إلى الغروب وتصبغ السماء بلون برتقالي هادئ جلست ابنة أخيه إلى جواره على الدرج الحجري أمام البيت. كانت تمسك بدفترها المدرسي ثم أغلقته فجأة وسألته بصوت بريء
هل سترحل مرة أخرى
نظر إليها مطولا.
رأى في عينيها خوفا صغيرا خوفا من أن يكون وجوده مؤقتا كما كانت زيارات الآخرين. رأى في السؤال طلبا خفيا للطمأنينة لا مجرد فضول.
فكر في ناطحات السحاب التي تنتظره في العقود الضخمة التي يمكن أن يوقعها خلال دقائق في الاجتماعات التي لا تنتهي في الأرقام التي كان يطاردها بشغف كأنها الهدف الأسمى.
ثم نظر إلى المائدة التي صار عليها خبز ساخن وقهوة وإلى والديه الجالسين بطمأنينة لم يرها منذ سنوات وإلى الشجرتين الصغيرتين اللتين بدأتا تنموان في الحديقة.
ليس كما في السابق أجاب بهدوء لقد فهمت شيئا الآن.
ماذا سألت الطفلة وقد اقتربت منه أكثر.
ابتسم وعيناه تلمعان بدموع لم يعد يخجل منها.
أن النجاح لا قيمة له إن لم تستطع أن تعانق من تحبهم حين يكونون في أمس الحاجة إليك. المال يمكن أن يستعاد. البيوت يمكن أن تبنى من جديد. لكن اللحظات إن ضاعت لا تعود.
سكت قليلا ثم أضاف بصوت خافت كأنه يعترف لنفسه قبل أن يعترف لها
ظننت أنني أبني إمبراطورية هناك لكنني كنت أخاطر بأهم إمبراطورية هنا. إمبراطورية لا تقاس بالأرباح بل بالحب وبالوجود وباليد التي تمسك بيدك حين تحتاجها.
مدت الطفلة يدها الصغيرة وأمسكت بيده بقوة وكأنها تثبت العهد.
الإمبراطورية التي بناها في الخارج ما تزال قائمة تدار بعقود وأرقام وشركاء وقد تستمر سنوات طويلة.
لكن الإمبراطورية الحقيقية التي كاد أن يخسرها كانت هنا.
بين جدران من طين صارت الآن جدرانا دافئة
وبين ضحكات عادت بعد غياب
وبين قلوب تعلمت أن الغياب قد يبرر أحيانا
لكن الحضور هو الذي يصنع الحياة ويحفظها.




