عام

حماتي طلبت مني انزل الي في بطني

العزا كان زحمة ورد، وناس بتقول كلام محفوظ عن الصبر والقضاء والقدر، وأنا واقفة وسطهم بس علشان جسمي ما كانش قادر يعمل غير كده.

الحاجة ليلى كانت بتعيّط بحرقة، والناس ملمومة حواليها تشفق عليها، وللحظة غبية افتكرت إننا بنحزن على نفس الشخص… سوا.

بس أول ما آخر واحد مشي، كل حاجة اتغيّرت.

بصّتلي نظرة فاضية، وقالت بصوت ناشف:

«إنتِ وش نحس. من ساعة ما دخلتي بيتنا والمصايب ورا بعض. الغلطة دي لازم تخلص قبل ما تكبر».

تاني يوم الصبح، رمتلي رزمة فلوس في إيدي.

وحطّت عنوان عيادة قدّام وشي وقالت:

«روحي العنوان ده… خلّصي من الحمل، وبعدها تمشي من هنا. البيت ده ما بقاش مكانك».

ما لحقتش أرد.

الباب اتقفل.

المفاتيح اتحطّت في الأقفال.

شنطتي نزلت على الرصيف كأني حاجة اتردّت لصاحبها.

وقفت في الشارع، تحت شمس المدينة، الفلوس متكرمشة في قبـ,ـضة إيدي، سامعة صوت العربيات، والناس ماشية ورايحة جايّة، وكل واحد عنده حتة يروحها… غيري.

ما قدرتش أرجع لأهلي وأكسر قلبهم.

وما قدرتش أروح العيادة اللي

هي اختارتها.
مش وإيدي بترتعش، والبيبي جوا بطني بيتحرّك كأنه بيقول: أنا هنا.

لفّيت كتير، لحد ما لقيت عيادة تانية.

صغيرة، هادية، في شارع جانبي محدش فيه بيركّز مع حد.

الدكتور كان راجل كبير في السن، شكله طيب.

كشف عليّ بهدوء، وبعدين لفّ الشاشة ناحيتي وقال:

«بصي… الجنين سليم، ونبضه كويس».

ساعتها…

ما استحملتش.

عيّطت.

عيّطت زي واحدة كانت حابسة نفسها من أيام.

الدكتور سابني لحد ما هديت، وبعدين قرّب وقال بصوت واطي مليان حنية:

«ما تستسلميش وتسيبي ابنك… تعالي معايا».

طريقة كلامه خلت جسـ,ـمي يقشعر.

كأنه عارف أنا جيت منين.

كأنه فاهم قسوة الحاجة ليلى من غير ما أحكي.

وساعتها سألت نفسي سؤال واحد بس:

لو غريب مدّ لك طوق نجاة،

في وقت عيلتك نفسها قفلت الباب في وشك…

كنتِ هتمسكي فيه؟

حتى لو مش عارفة تمنه إيه؟

فضلت باصة للدكتور وأنا مش فاهمة هو قصده إيه بـ تعالي معايا.

عقلي كان تايه، بس قلبي كان ماسك في الكلمتين دول كأنهم آخر حبل نجاة.

قلت له بصوت مكسور:

– «يعني إيه؟»

ابتسم ابتسامة هادية، وقال:

– «يعني ما تخرجيش من هنا لوحدك. في أماكن بتشيل الناس من غير ما تسألهم جايين منين ولا معاهم إيه».

خدني من باب جانبي للعيادة، وعدّينا شارع صغير وراها، لحد مبنى قديم بس نضيف.

دار رعاية بسيطة… بس فيها دفء.

ريحة أكل، صوت ستات بتتكلم، وهدوء غريب حسّسني إني أخيرًا مش لوحدي.

ست كبيرة في السن، شعرها أبيض ووشها طيب،

استقبلتني وقالت:
– «أهلاً يا بنتي… إحنا مستنيينك».

الكلمة خبطت في قلبي.

مستنيينك؟

هو أنا كنت مستنية حد طول الوقت ده؟

قعدوني، جابولي مية، وسابوني أتكلم.

حكيت…

عن كريم، عن موته، عن الحاجة ليلى، عن الباب اللي اتقفل في وشي، وعن الخوف اللي كان بيكبر جوايا كل ما أحط إيدي على بطني.

ولا واحدة قاطعتني.

ولا واحدة استغربت.

وكأني واحدة من قصص كتير سمعوها قبل كده.

الست الكبيرة قالت بهدوء:

– «إنتي مش أول واحدة تتطرد وهي حامل، ومش أول واحدة تتحارب علشان مالهاش ضهر. بس صدقيني… مش كل اللي بيقفل باب يبقى كسب».

قعدت في الدار أيام.

كنت باصحى على صوت عصافير، وبنام وأنا سامعة دعاء ستات ما يعرفونيش بس شايليني في قلبهم.

بعد أسبوعين، جالي ظرف على اسمي.

خط إيد الحاجة ليلى.

كانت فاكرة إني روحت العيادة اللي هي اختارتها.

كانت فاكرة إن الموضوع خلص.

بتقولي في الورقة:

«خدي بالك، لو فكرتي ترجعي تطالبي بأي حاجة، أنا هخلّيكي تندمي».

قريت الرسالة وأنا ماسكة بطني… وابتسمت.

مش ابتسامة ضعف.

ابتسامة واحدة لسه عايشة.

الدكتور رجع يزور الدار بعد فترة، وسألني:

– «جاهزة تبدأي من جديد؟»

قلت له وأنا أول مرة صوتي ما يكونش مكسور:

– «أنا عمري ما كنت ضعيفة… أنا بس كنت لوحدي».

ساعدوني أرجع أوريجون.

رجعت لأهلي، وعيطنا سوا، بس المرة دي من غير خوف.

كملت حملي.

وفي ليلة مطر هادية، ولدت ولد…

سميته كريم.

وأنا شايلة ابني،

افتكرت كلام الحاجة ليلى،
وافتكرت الفلوس،

وافتكرت الباب اللي اتقفل.

وعرفت ساعتها إن في أبواب بتتقفل علشان تفتح أبواب أنضف،

وإن في أوجاع بتيجي مش علشان تكسرنا…

علشان تعلّمنا نعيش من غير إذن من حد.

تمت. بقلم مشيره محمد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى