Uncategorized

اجبرت حماتها على النوم في الممر

دخل البيت بخطوات مترددة كأنه يشعر بأن الأرض التي يعرفها لم تعد ثابتة. استمع إلى الشرح كاملا. لم يقاطع. لم يعترض. أمسك بالوثائق قرأ الأسماء التواريخ الأختام.
ثم رفع رأسه ببطء.
لم ينظر إلى
زوجته.
نظر إلى الممر.
إلى الزاوية التي لم يكن يلتفت إليها يوما.
إلى الســ,رير الخشبي الصغير.
إلى الأغطية البالية المطوية بعناية.

إلى المكان الذي كان موجودا دون أن يكون مرئيا.
قال بصوت مكسور كأن الكلمات تجرحه قبل أن تخرج
أمي منذ متى وأنت تنامين هنا.
خفضت دونيا تيريزا رأسها.
لم يكن الخفض خجلا بل عادة قديمة. عادة الصمت.
قالت بنبرة هادئة خالية من العتاب
منذ وقت طويل يا بني. لا بأس. تعودت.

كلمة تعودت سقــ,طت على قلب ميغيل كصفعة.
تراجع خطوة وضع يده على وجهه ولم يستطع منع الدموع.
بكى لا كطفل بل كرجل أدرك متأخرا أنه كان غائبا حين كان يجب أن يكون حاضرا.
حاولت أدريانا الكلام.
بررت.
شرحت.
قالت إن الأمر لم يكن مقصودا.
إن الظروف فرضت نفسها.
إن دونيا تيريزا لم تعترض.

لكن الكلمات خرجت ضعيفة متكسرة لا تجد أذنا تصغي.
كان المحامي واضحا حاسما لا يترك مجالا للالتباس كأنه يضع حدا لسنوات من الغموض بكلمات قليلة لا تقبل التأويل.
دونيا تيريزا تملك كامل الحق القانوني في البيت.
لها وحدها سلطة القرار.
لها أن تختار من يبقى ومن يرحل.
لها أن تبيع أو تخلي أو تغير الأقفال أو تعيد ترتيب الجدران كما تشاء.
البيت بيتها والقرار قرارها والسلطة كلها بيدها وحدها.

لم تحتج دونيا تيريزا إلى أن تقول شيئا.
لم ترفع رأسها بفخر ولم تظهر ارتياحا.
وقفت في مكانها كأن الحقيقة لم تفاجئها بل أكدت ما كانت تعرفه في صمت طويل.
في تلك الليلة لم تنم في الممر.
حين أصر ميغيل أن تعود إلى غرفتها القديمة لم تجب فورا.
وقفت على عتبة الغرفة تنظر إلى الجدران التي عاشت معها عمرا كاملا.
مد يده وساعدها على ترتيب الســ,رير وكأنه يعيد إليها حقا سلب منها ببطء.
أعاد فتح النافذة فدخل هواء الليل باردا نقيا يشبه الاعتذار المتأخر.

ثم أغلق الباب بهدوء شديد كما لو كان يغلق جرحا ظل مفتوحا لسنوات دون أن يراه أحد.
جلست دونيا تيريزا على الســ,رير طويلا.
لم تنم فورا.
كانت تسمع أصوات البيت لكنها هذه المرة لم تكن أصوات إقصاء بل أصوات عادية طبيعية لا تخيف.
مدت يدها إلى الغطاء ولم ترتجف.
أما أدريانا فبقيت في الصالة.
جلست مستقيمة الظهر كأنها تحاول الحفاظ على بقايا صورة كانت تصدقها عن نفسها.
لم تتحدث.
لم تبك.
ولم تطلب تفسيرا.

كان الصمت هذه المرة ليس خيارا بل اعترافا صامتا بالخسارة.
في اليوم التالي بدأت تجمع أغراضها.
لم يكن جمعا كاملا بل انتقاء حذرا.
تركت أشياء كثيرة خلفها.
بعضها لأنها لم تعد تعني لها شيئا
وبعضها لأنها أدركت متأخرة أنها لم تكن يوما لها حقا.
غادرت إلى بيت شقيقتها وهي تعرف في أعماقها أن ما انكسر لم يكن خلافا عابرا ولا سوء تفاهم بل صورة كاملة عن ذاتها صورة كانت تعتمد على سلطة لم تكن تملكها أصلا.

مرت أيام.
ثم أسابيع.
لم تتغير دونيا تيريزا كثيرا.
لم تتحول إلى امرأة قاسية ولم تتبدل نبرتها.
كانت كما هي هادئة قليلة الكلام كثيرة المعنى.
وحين اتخذت قرارها لم يكن قرارا ولد في لحظة غضب ولا ردة فعل متأخرة بل خلاصة عمر كامل من الصبر ومن فهم عميق لما تعنيه الكرامة حين تختبر في الصمت.
فعلت ذلك دون ضجيج كما تفعل الأشياء الحقيقية حين تبلغ نضجـ,ها.
لم تغلق الأبواب بعنف ولم تشهر سلطتها ولم تذكر أحدا بما عانته في ليالي البرد ولا بعدد المرات التي نامت فيها خارج جدران بيتها وهي تبتسم كي لا تثقل على قلب ابنها.

لم تطرد أحدا بدافع الانتقام لأن الانتقام كان سيجعلها تشبه ما لم ترد يوما أن تكونه.
لم ترفع صوتها لأن الصوت العالي لم يكن لغتها.
ولم تحص السنوات التي قضتها في الممر لأن العد لا يداوي الوجع بل يثبته.
قالت فقط بصوت يشبهها تماما صوت امرأة عاشت طويلا ورأت ما يكفي لتدرك أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى صراخ
البيت خلق ليعاش فيه بسلام لا ليكون سببا في أذى أحد.
كانت تلك الجملة بسيطة في ظاهرها لكنها حملت ثقل سنوات كاملة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى