
كانت رائحة المكان مزيجا من حساء الفاصولياء والرطوبة. في زاوية الغرفة وعلى فراش قديم كان طفل لا يتجاوز السادسة يرتجف تحت غطاء رقيق. لكن ما جعل قلب روبرتوذلك القلب الذي كان يظنه مصنوعا من الحسابات الباردة وحدهايتوقف فجأة هو ما رآه فوق طاولة الطعام.
كانت هناك صورة مؤطرة موضوعة بعناية فوق طاولة الطعام تحيط بها كتب طبية مهترئة وقوارير أدوية فارغة كأنها بقايا معركة طويلة مع المرض.
صورة لأخته صوفيا.
صوفيا التي توفيت في حادث مأساوي قبل خمسة عشر عاما والتي ظل اسمها في ذاكرته جرحا صامتا لا يجرؤ على لمسه. كانت تبتسم في الصورة ابتسامة هادئة تلك الابتسامة نفسها التي لطالما حاول نسيانها لكنه فشل.
وبجوار الصورة كانت القلادة الذهبية.
تجمد روبرتو في مكانه.
لم يحتج إلى وقت ليتعرف عليها. عرفها كما يعرف الشيء الذي يسكن الذاكرة منذ الطفولة.
إنها القطعة العائلية التي توارثتها نساء العائلة جيلا بعد جيل والتي اختفت في يوم الدفن وسط الفوضى والعزاء والدموع.
امتدت يده ببطء كأنها لا تخصه وأمسك القلادة. كانت باردة ثقيلة وكأنها تحمل وزن السنوات كلها.
زأر بصوت خرج من أعماقه وهو يضغط عليها بيدين مرتجفتين
من أين حصلت على هذا
لم تستطع ماريا إلينا الصمود أكثر.
انهارت على ركبتيها كما لو أن ساقيها تخلتا عنها فجأة وانفجرت في بكاء مرير بكاء امرأة حملت سرا أثقل من قدرتها على الاحتمال.
قالت من بين دموعها المتقطعة وصوتها يختنق عند كل كلمة
لم أسرقها يا سيدي أقسم لك. صوفيا هي من أعطتني إياها قبل أن تمو.ت. كانت صديقتي المقربة أختي بالروح. كنت الممرضة التي اعتنت بها في أشهرها الأخيرة سرا لأن والدها لم يكن يريد لأحد أن يعرف بمرضها. كان يخشى الشفقة ويخشى الفضــ،يحة أكثر.
رفعت رأسها قليلا وكأنها تجمع شتات شجاعتها قبل أن تنطق بما ظل حبيس صدرها سنوات طويلة ثم تابعت بصوت خافت لكنه ثابت
كانت تعلم أن النهاية قريبة كانت تشعر بأن الوقت يضيق وأن جسدها يخونها يوما بعد يوم. في إحدى الليالي أمسكت يدي بقوة لم أظن أنها تملكها ونظرت إلي نظرة لم أنسها قط وقالت إن حدث لي شيء أرجوك لا تتركيه وحده.
لم تطلب مالا ولا وعدا ولا حماية لنفسها طلبت فقط ألا يترك طفلها في هذا العالم وحيدا. طلبت مني أن أعتني به مهما كان الثمن مهما كان الخوف مهما تغير كل شيء.
توقفت لحظة وابتلعت غصة كادت تخنقها ثم أضافت
لكن حين ماتت لم يكن الحزن وحده هو ما
جاء. جاءت التهديدات. قيل لي إن علي أن أختفي أن أصمت أن أنسى كل ما رأيت وسمعت. قيل لي إن الحقيقة يجب أن تدفن كما دفنت هي بلا صوت.
شعر روبرتو بأن الأرض تميد تحته.
لم يكن مجرد إحساس بالصدمة بل كأن المكان نفسه ينهار ببطء.
الجدران بدت أقرب مما ينبغي والسقف أخفض مما يحتمل والهواءذلك الشيء الذي لم يفكر فيه يوماصار شحيحا لا يكفي لالتقاط أنفاسه.




