
سألته
هل لديك أطفال
أجاب
نعم. ابنة اسمها كلاريتا عمرها ثماني سنوات.
تلينت ملامح هيلينا قليلا.
قالت
لدي ابنة أيضا. أصبحت كبيرة وتعيش خارج البلاد. عندما رأيت الصورة فهمت أن العدالة أحيانا تكون امتنانا. وقدرا.
خرج إميليو وهو يشعر بأن رأسه ممتلئ بالأفكار. كان الهواء في الخارج أخف لكن إحساسه الداخلي كان يقول هذا لم ينته بعد.
بعد ثلاثة أيام اتصلت به مساعدة.
قالت
السيد إميليو أورتيغا القاضية هيلينا ترغب في رؤيتك مجددا. لديها عرض مهم. غدا الساعة الثالثة.
أغلق الهاتف وظل ينظر إليه كأنه قنبلة.
في تلك الليلة نظرت إليه كلاريتا وهو يغسل الصحون.
قالت
أبي هل أنت قلق
أنا متوتر لكنني أظن أن الأمر قد يكون خيرا.
ربتت على يده بجدية طفولية.
قالت
أنت دائما تقول إن الخير يعود. إذن سيعود.
في اليوم التالي كانت المحكمة مضاءة بشمس صافية نادرة. استقبلته هيلينا دون الكثير من الرسمية. كانت على الطاولة ملفات وظرف.
قالت
إميليو منذ أن قابلتك وأنا أفكر في قصتك. أخبرتني عن ابنتك عن عملك وعن كيف أنك أحيانا لا تستطيع الحضور في اللحظات المهمة لها.
شعر إميليو بأن حلقه يضيق.
قال
نعم
تابعت
أنا أشرف على برنامج مجتمعي بالتعاون مع المحكمة. ندعم الأمهات والآباء في الظروف الصعبة منح استشارات فرص عمل. اسمه الطريق الواضح.
كان يصغي دون أن يفهم بعد.
قالت
أريد أن أقدم لك فرصة عمل في تعاونية توزيع. دوام ثابت راتب أفضل ومزايا. وشيء أعلم أنه يهمك أكثر من أي شيء وقت لابنتك.
توقف العالم للحظة. لم يسمع إلا دقات قلبه.
قال
لي أنا ولماذا هناك من هو أحوج مني.
نظرت إليه مباشرة وقالت
ولهذا بالذات. لأنك تفعل الصواب دون أن تطلب شيئا. أمثالكم هم من يبقون هذا البلد قائما حتى لو لم يلاحظهم أحد.
شعر إميليو بشيء ينكسر داخله لا حزنا بل ارتياحا.
قال بصوت متهدج
لا أعرف ماذا أقول
دفعت هيلينا الظرف نحوه بهدوء كما لو أنها لا تمنحه ورقة بل فرصة حياة.
قالت بنبرة حاسمة يختلط فيها اللطف باليقين
لا تقل شيئا. اقبل العرض واذهب غدا إلى عرض ابنتك. العمل الجديد يبدأ الأسبوع المقبل.
مد إميليو يده بتردد وأمسك الظرف بحذر شديد كما أمسك من قبل رسم ابنته وكأن أي حركة خاطئة قد تجعله يتلاشى.
لم يكن الظرف ثقيلا لكن معناه كان أثقل من أن يحتمل دفعة واحدة. أومأ برأسه عاجزا عن الكلام فالكلمات خانته حين شعر أن الحياة لأول مرة منذ زمن طويل لا تطالبه بالصبر فقط بل تمنحه مكافأة.
خرج من المحكمة وتوقف لحظة عند العتبة. كان الهواء في الخارج مختلفا أخف كأنه يسمح له بالتنفس دون خوف. بدت السماء أوسع والمدينة أقل قسوة وكأن العالم نفسه قرر أن يلين قليلا. أدرك حينها أن بعض اللحظات لا تغير الظروف فقط بل تغير الطريقة التي ترى بها كل ما حولك.
في اليوم التالي ولأول مرة منذ زمن طويل جلس إميليو في الصف الأول من قاعة المدرسة. لم يكن ينظر إلى الساعة ولم يفكر في الشاحنات أو الصناديق أو الأوامر المتأخرة. كان هناك فقط بكامل حضوره.




