
سبت ابني ياسين عند والدي ووالدتي عشان كان ورايا سفرية شغل سريعة. لما رجعت، الولد مكنش بينطق بكلمة. وتاني يوم الصبح، لقيت المخدة بتاعته غرـ,ـقانة شعر.. لما سألته إيه اللي حصل يا حبيبي؟ جسـ,ـمه كله اتـ,ـرعش وهمس بصوت واطي تيتة وجدو.. في لحظتها مسكت التليفون وطلبت البوليس.
الحقيقة، أول ما رحت أجيب ياسين من بيت أهلي في المعادي، حسيت إن في حاجة غلط من قبل حتى ما ينطق.. أصلًا هو رفض يتكلم خالص.
ياسين عنده 7 سنين، وفي العادي أول ما بيشوف عربيتي بيرمي نفسه في حضـ,ـڼي ويقعد يحكي راديو مبيفصلش..
أكل إيه، وشاف إيه، وهل جدو خلاه يسهر قدام التليفزيون ولا لأ. ده كان طبعنا كل يوم.
بس المرة دي، كان واقف عند الباب.
ساكت.
مبيتحركش.
أمي فتحت الباب بابتسامتها اللي دايما متحفظة وقالت حمد الله على السلامة، جيت بدري يعني؟
قلت لها وأنا داخل أنا قايلك يا ماما إني هكون هنا الساعة 6 بالدقيقة.
ياسين متحركش من مكانه.
نزلت لمستواه وقلت له براحة حبيبي.. وحشتني؟
هز راسه.. ومنطقش.
دي كانت أول علامة تقلقني.
بصيت لأبويا، كان قاعد في ركنه المفضل، التليفزيون شغال وصوته واطي، ومحاولش حتى يلف وشه يبص لي. أمي ربعت إيدها وبصت لي ببرود وقالت ده ناشف ومبيسمعش الكلام، ومن ساعة ما مشيت وهو مبرطم ومش عايز يفتح بقه.. عيل عنيد!
أبويا زود عليها وهو عينه في التليفزيون سيبه يتربى شوية، الدلع اللي انتم فيه ده هو اللي بوظ الجيل.
أنا محاولتش أجادل، فضلت ساكت زي ما اتعودت معاهم سنين.. كنت دايماً بقول لنفسي دول دقة قديمة أو طبعهم حامي شوية. بس نظرة ياسين كانت خاېفة لدرجة خلت قلبي يتقبض. مسكت إيده، لقيتها ساقطة وتلج.
قلت له يلا يا ياسين.. هنروح.
هز راسه وسحب شنطته، وفضلنا طول الطريق في العربية ساكتين. ياسين اللي كان بيملى العربية غُنا وهزار، قاعد باصص من الشباك وكأنه شايل هـ,ـموم الدنيا.
لما وصلنا البيت، حاولت أدردش معاه براحة
هو جدو زعلك في حاجة؟
مفيش رد.
طيب تيتة قالت لك كلمة ضايـ,ـقتك؟
ولا كلمة.
دخل سريره واتغطى ولف وشه الناحية تانية. قلت لنفسي يمكن مقموص مني عشان سبته، أو يمكن تعبان فعلاً وأنا اللي مكبر الموضوع.
بس الصبح عرفت إن حدسي كان صح.. وصح جداً.
دخلت أوضته عشان أصحيه للمدرسة، ووقفت مكاني مسمر..
المخدة كانت غرقانة شعر.
مش شعرتين وقعوا عادي.. لأ، دي خصل كاملة.
شعر مقـ,ـصوص ومرمي في كل حتة كأن حد كان بينتشه منه بطلوع الروح.
قلبي بدأ يدـ,ـق في وداني من الړعب ياسين! إيه ده؟ إيه اللي حصل؟
قعد على السرير ببطء، وإيده ماسكة اللحاف لدرجة إن عقل صوابعه ابيضت.
وبعدين شفت الکـ,ـاړثة.. شعره!
شعره مكنش منكوش.. شعره كان مجزور.
حتت طويلة وحتت محلوقة خالص، وچروح صغيرة باينة في فروة راسه. حد عمل فيه كدة بالعافية.
همست
بذهول مين اللي عمل فيك كدة؟
شفايفه بدأت تترعش، وأخيراً نطق
ياسين نطق الكلمتين اللي نزلوا عليا زي الصاـ,ـعقة تيتة وجدو..
ما استنيتش ثانية واحدة، الډـ,ـم غلى في عروقي وبقيت مش شايف قدامي. مسكت التليفون وطلبت البوليس وأنا صوتي بيتـ,ـرعش من القهر ألحقوني.. ابني تم الاعتـ,ـداء عليه!
نزلت بياسين جري، ركبته العربية وهو لسه مخضوض ومنكمش في نفسه، ورحت بيه على طول على القسم ومنه على المستشفى عشان أعمل تقرير طبي. الدكتور وهو بيكـ,ـشف على فروة راسه بص لي بأسف وقال يا أستاذ، ده مش مجرد قص شعر.. ده نتف پعنف، وفي آثـ,ـار كدـ,ـمات ورا ودنه، كأن حد كان مثبته بإيده وقوـ,ـة!
المواـ,ـجهة الصاډـ,ـمة
البوليس اتحرك معايا لبيت أهلي في المعادي. أول ما الباب فتح، أمي شافت العساكر ووشها متهزش، فضلت ببرودها القاـ,ـټل. أبويا قام وقف وسند على عصايته وقال بصوت غليظ إيه المهزلة دي؟ جايب لنا الحكومة يا قليل الأصل؟
قلت بصـ,ـړاخ أنا قليل الأصل عشان بسأل ابني شعره جرى له إيه؟ ابني اللي راسه متجـ,ـرحة ومـ,ـړعوپ منكم؟ عملتوا فيه إيه؟
أمي ضحكت ضحكة صفرا وقالت عملنا إيه يعني؟ كان عمال يعيط ويقول عايز بابا، وصداعنا وجعنا.. أبوك قاله اسكت منفعش، قمنا ربطناه عشان نعلمه إن الراجل ميعيطش، وأنا قولت أقص له شعره المسبسب ده عشان ينشف.. أصلك معرفتش تربي!
الحقيقة المُرّة
الضابط دخل الأوـ,ـضة الجوانية يفتش، وفجأة نده عليا تعالى شوف يا أستاذ.
دخلت ولقيت کاـ,ـړثة.. في ركن الأوـ,ـضة كان فيه جنزير صغير مربوط في رجل السـ,ـرير، وجنبه مقص كبير عليه آثـ,ـار ډـ,ـم خفيف.
ياسين بدأ يتكلم مع الأخصائية النفسية في القسم، وحكى اللي مكنتش أتخيله. قال إنهم حبـ,ـسوه في الضـ,ـلمة، وكل ما ېصرخ تيـ,ـتة تمسكه من شعره وتشـ,ـده، وجدو يضـ,ـربه بالعصاية ويقوله إنت دلوع زي أبوك ولازم تتربى من أول وجديد.
النهاية
مرحمتهمش.. ولا صلة الرحم شَفَعت لهم عندي. اللي ېلـ,ـمس شعرة من ابني ويطفي الفرحة في عينه ملوش مكان في حياتي.
المحضر كمل، وأبويا وأمي اتسـ,ـجنوا على ذمة التحقيق پتهـ,ـمة تعذـ,ـيب طفل وإحداث إصاـ,ـبات عمدية.
خرجت من القسـ,ـم وأنا واخد ياسين في حضـ,ـڼي، وبوعده إن مفيش مخلوق في الدنيا هيلـ,ـمسه تاني.
التربية مش بالضـ,ـړب ولا بالإهـ,ـانة، والجيل اللي فاكر إن القسـ,ـۏة هي اللي بتصنع رجال، هو اللي طلع لنا مجتمع مليان عُقد نفسية.
رجعت البـ,ـيت، حلقت لياسين شعره خالص زيرو عشان الچـ,ـروح تلم، وحلقت شعري زيه بالظبط وقلت له إحنا كدة أحلى يا بطل.. ومحدش هيقدر يكـ,ـسرنا.
البيـ,ـوت اللي مفيهاش حنية، متبقاش بيوـ,ـت.. بتبقى سجـ,ـون.



